أهلاً بكم، أصدقائي المستثمرين والمسؤولين في الشركات الأجنبية العاملة في شنغهاي أو تلك التي تخطط لدخول هذه السوق الديناميكية. عندما نسمع عبارة "المسؤولية الاجتماعية للشركات" (CSR)، غالباً ما تتبادر إلى الأذهان صور التبرعات الخيرية أو الحملات الدعائية، وكأنها بند مصاريف لا أكثر. لكن دعونا نكون صريحين مع أنفسكم، فمن واقع خبرتي التي تمتد لأكثر من عقد في خدمة الشركات الأجنبية في الصين، أستطيع أن أؤكد لكم أنني لم أرَ شركة ناجحة ومستدامة تنظر إلى المسؤولية الاجتماعية على أنها مجرد "تكلفة" أو "واجب أخلاقي" فحسب. بل على العكس، الشركات التي أتقنت اللعبة هنا في شنغهاي، تعاملت معها كاستثمار استراتيجي طويل الأجل، له عائد ملموس يمكن قياسه على أدائها المالي وسمعتها في السوق. السؤال الجوهري الذي سنحاول الإجابة عليه اليوم ليس "هل يجب علينا أن ننفق على المسؤولية الاجتماعية؟"، بل "كيف نحول هذا الإنفاق إلى قيمة مضافة حقيقية وميزة تنافسية ملموسة في واحدة من أكثر المدن تنافسية في العالم؟". سأحاول في هذه المقالة أن أشارككم خلاصة ما تعلمته خلال سنوات عملي، وأعطيكم أمثلة واقعية من السوق، وأقربكم من الصورة الحقيقية لعائد الاستثمار (ROI) في المسؤولية الاجتماعية، بعيداً عن النظريات الأكاديمية الجافة.

تعزيز السمعة محلياً

في السوق الصينية، وخاصة في مدينة كبيرة مثل شنغهاي، السمعة هي عملة نادرة لا تقل قيمة عن العملة الحقيقية. المستهلك الصيني اليوم، وخاصة جيل الألفية والجيل زد، أصبح شديد الوعي الاجتماعي. لا يكفي أن تقدم منتجاً جيداً أو خدمة ممتازة، بل أصبحوا يدققون في سلوكك كشركة، في قيمك، وفي موقفك تجاه المجتمع والبيئة. أذكر جيداً حالة إحدى الشركات الألمانية الكبرى التي نعمل معها، كانت تواجه صعوبات في التوسع داخل السوق المحلي، على الرغم من جودة منتجاتها العالية. بعد أن قمنا بتحليل وضعها، اقترحنا عليها التركيز على مبادرات المسؤولية الاجتماعية ليس كعمل دعائي، بل كجزء من استراتيجية دخول السوق. قاموا بالتعاون مع جامعة محلية في شنغهاي لتمويل برنامج تدريب تقني للطلاب المتفوقين من الأسر ذات الدخل المحدود. خلال 18 شهراً فقط، تغيرت نظرة الموردين والموزعين المحليين تجاههم، وتضاعفت فرص التعاون التجاري، بل وأصبحوا الخيار الأول في بعض المناقصات الحكومية على مستوى المنطقة، لأنهم بنوا سمعة "المواطن الصالح" الذي يساهم في التنمية المحلية وليس مجرد مستثمر أجنبي يسعى لاستخراج الأرباح. هذا التحول في السمعة، ترجم مباشرة إلى صفقات أكبر وإيرادات أفضل، وهذا هو العائد الحقيقي غير المباشر الذي يصعب حسابه في دفتر الأستاذ التقليدي.

إن بناء السمعة في السوق المحلي لا يقتصر على المستهلك النهائي فقط، بل يمتد ليشمل المجتمع التنظيمي بأكمله. الحكومة الصينية، ومعها مختلف الجهات الرقابية، تتابع أداء الشركات الأجنبية عن كثب. عندما تكون سمعتك جيدة كمؤسسة داعمة للتنمية الاجتماعية، يصبح التعامل مع البيروقراطية أسهل بكثير. أتذكر أن إحدى الشركات الأميركية في قطاع السلع الفاخرة، كانت لديها قضايا عالقة مع دائرة الجمارك بشأن تصنيف بعض البضائع. الاجتماعات كانت تسير ببطء، وكان المفتشون يتشددون في التفسيرات. لكن بعد أن أطلقت الشركة برنامجاً تطوعياً لمكافحة التلوث البلاستيكي في نهر هوانغبو بالتعاون مع إحدى المنظمات البيئية المحلية، وجدوا أن الأجواء أصبحت أكثر إيجابية في تعاملاتهم الرسمية. هذا ليس رشوة بطبيعة الحال، بل هو فهم عميق للثقافة المحلية، فهنا في شنغهاي، من يحترم المجتمع ويتعامل معه كشريك، ينال الاحترام والتسهيلات التي تليق به. الأمر أشبه بفائدة إضافية لا تظهر في الميزانية العمومية، لكنها تؤثر على سرعة دوران الأعمال وخفض تكاليف التعامل مع الجهات الرسمية.

الأهم من ذلك، أن السمعة القوية تلعب دوراً حيوياً في سوق العمل التنافسي جداً في شنغهاي. المواهب الشابة الطموحة لا تبحث عن راتب مرتفع فقط، بل عن عمل يعطيها معنى وإحساساً بالانتماء. الشركة التي تفتخر بأعمالها المجتمعية تكون قادرة على اجتذاب أفضل الكفاءات، بل وفي كثير من الأحيان تقبل برواتب أقل قليلاً من منافسيها، لأن الموظف يشعر بالفخر بكونه جزءاً من هذه المنظومة. لقد شاهدنا هذا مراراً في شركة "جياتشي"؛ فالعملاء الذين يخصصون ميزانية واضحة ومعروفة للمسؤولية الاجتماعية لديهم، يكون معدل دوران الموظفين لديهم أقل بكثير، والتزام الموظفين بالعمل أعمق، وهذا يوفر تكاليف هائلة كانت ستذهب للتوظيف والتدريب المستمر.

ولاء الموظفين وإنتاجيتهم

دعونا نتعمق أكثر في هذا البعد الإنتاجي للمسؤولية الاجتماعية، وهو البعد الذي قد يغفله كثير من المدراء التنفيذيين في حساباتهم التقليدية القائمة على الأرقام والكلف فقط. أؤمن بأن الموظف في شنغهاي، تماماً كالمواطن في أي مدينة عالمية كبرى، يبحث عن غاية أسمى في عمله. عندما تبرم شركة ما شراكة مع مؤسسة خيرية محلية، أو تبادر بمشروع تطوعي منتظم، فإنك بذلك ترسل إشارة واضحة لموظفيك مفادها: نحن لسنا هنا فقط لنبيع ونربح، بل نحن جزء فاعل في نسيج هذه المدينة، ونحمل هماً اجتماعياً حقيقياً. هذه الرسالة تلامس وجدان الناس وتجعلهم يشعرون أن عملهم اليومي ليس مجرد معاملة مالية. على سبيل المثال، إحدى شركات التكنولوجيا الفرنسية التي نعمل معها، أطلقت برنامجاً لإرسال موظفيها المتطوعين إلى مدارس ابتدائية في ضواحي شنغهاي لتعليم أساسيات البرمجة للأطفال. التكلفة المادية لم تكن كبيرة، ولكن أثرها كان هائلاً. الموظفون الذين شاركوا في هذه المبادرة عادوا إلى مكاتبهم بطاقة إيجابية كبيرة، وعززوا علاقاتهم الداخلية مع زملائهم من الإدارات الأخرى. كما أبلغونا أن هذا النشاط كان من أكثر ما يذكرونه في مقابلاتهم الشخصية عند الطلب من قبل الاحتفاظ بالموظفين المجتهدين، لأن هؤلاء الموظفين وجدوا في الشركة بيئة تلبي طموحاتهم الشخصية التي تتجاوز المادية البحتة.

من ناحية كمية الإنتاجية، فإن الشركات التي تشرك موظفيها في اتخاذ قرارات العطاء أو التي تسمح لهم بتخصيص ساعات عمل للعمل التطوعي، كثيراً ما تشهد تحسناً في الروح المعنوية العامة وروح الفريق، وهذه العوامل تنعكس إيجاباً على عملهم اليومي. على مر السنين، لاحظنا أن معدل التغيب عن العمل (absenteeism) ينخفض بشكل ملحوظ في الشركات ذات برامج المسؤولية الاجتماعية الفعالة، كما ترتفع مؤشرات الرضا الوظيفي في استبيانات الموظفين الداخلية. أتذكر أن هناك دراسة صادرة عن جامعة شنغهاي للدراسات الدولية تشير إلى أن الشركات متعددة الجنسيات في شنغهاي التي لديها برامج مسؤولية اجتماعية نشطة، تحافظ على موظفيها الموهوبين لفترة أطول بنسبة تتجاوز 25% مقارنة بنظيراتها الخاملة اجتماعياً. وهذا الرقم، عندما تحسب تكلفة استبدال موظف خبير في السوق الصينية الحالية، ستكتشف بسرعة أن الإنفاق على المسؤولية الاجتماعية هو أرخص بكثير من دفع البدلات التنافسية لاستقطاب المواهب الجديدة أو خسارة الخبرات المؤسسية المتراكمة.

ولكن دعونا لا نجعل المسألة تبدو مثالية تماماً، فهناك أيضاً فخاخ لهذا البعد. بعض الشركات تتعامل مع المسؤولية الاجتماعية كحدث سنوي فاخر، مثل حفلة عشاء خيرية، لكن الموظفين يشعرون بالاستغلال ويشاركون فيها على مضض. النجاح الحقيقي، كما رأينا، يأتي من الأنشطة التي يشارك فيها الموظفون باختيارهم وتكون متوافقة مع مهاراتهم واهتماماتهم. الشركات الناجحة التي نتعامل معها، تستشير موظفيها حول المجالات التي يرغبون بالمساهمة فيها، وتوفر لهم بيئة داعمة لتطوير مبادراتهم الخاصة، وهذا النوع من التمكين، بعيداً عن الروتين الإداري الممل، هو ما يحول برنامج المسؤولية الاجتماعية من مجرد خانة في ميزانية الإدارة إلى محرك للابتكار والتجديد التنظيمي.

فهم احتياجات السوق المحلية

من أكثر الفوائد العملية المباشرة للمسؤولية الاجتماعية في السوق الصينية، هي أنها تشكل نافذة قوية لفهم الاحتياجات المحلية الدقيقة التي قد لا تظهر في أبحاث السوق التقليدية. المشاريع المجتمعية التي تنفذها الشركة، خاصة تلك التي تتطلب تفاعلاً مباشراً مع الناس على أرض الواقع، تقدم رؤى لا تقدر بثمن حول سلوك المستهلكين وتحدياتهم اليومية وتطلعاتهم. أذكر أن إحدى شركات السلع الاستهلاكية السريعة من هولندا، بدأت مشروعاً لتوفير المياه النظيفة لبعض المجتمعات القريبة من مصانعها في شنغهاي. خلال العمل الميداني، لاحظ فريقهم أن هناك أنماطاً معينة في كيفية استخدام الأسر للمياه، وأنواع الحاويات المستخدمة، وممارسات التخزين السائدة. هذه المعلومات التي تأتت بالصدفة تقريباً، قادتهم لتعديل تصميم عبوات منتجاتهم لتناسب حجم الحاويات التقليدية المستخدمة في تلك المناطق، وهو ما قادهم لاحقاً إلى زيادة حصتهم السوقية في الشريحة الاقتصادية من المستهلكين بشكل لم يكن متوقعاً إطلاقاً، وكل هذا لم يكن ليحدث لولا الانغماس في المجتمع من خلال مبادرتهم الخيرية الأولى.

كما أن التواصل الاجتماعي الذي تبنيه الشركة من خلال مشاريعها الإنسانية، يكشف لها الكثير عن الخصائص الثقافية والحساسيات الخاصة للمجتمع المحلي. في شنغهاي، الثراء الثقافي والتأثيرات الأجنبية ممزوجة بعادات محلية أصيلة، وأي خطأ في فهم هذه التركيبة قد يكلف الشركة غالياً في سمعتها التسويقية. من خلال العمل عن قرب مع المجتمع، تستطيع الشركة التقاط الإشارات غير المعلنة، مثل الطرق المفضلة للتعامل مع الكبار، أو العبارات التي تعبر عن الاحترام، أو المناسبات الاجتماعية التي تحظى بأولوية لدى الناس. هذه المعرفة الحساسة، تسمح للشركة بتكييف رسائلها الإعلانية وطرق خدمتها العملاء بشكل يتسم بالحساسية الثقافية، وبالتالي فهي تتجنب الكثير من الأخطاء المكلفة التي قد ترتكبها الشركات الأجنبية التي لا تفهم عمق المجتمع.

خلاصة القول هنا، إن المسؤولية الاجتماعية ليست مجرد نشاط إنساني، بل هي استراتيجية بحث وتطوير موازية، تستثمر في فهم السلوك البشري داخل السوق المستهدفة. الصين دولة واسعة ومتنوعة، وشنغهاي تحديداً مدينة سريعة التغير باستمرار، أعرف شخصياً أن الشركات التي تقف في موقع المتلقي للمعلومات فقط، إما من خلال تقارير مكاتب الاستشارات أو أرقام المبيعات الشهرية، تكون رؤيتها ضبابية مقارنة بتلك التي تشارك اجتماعياً وتتفاعل مع الناس بشكل حقيقي. هذه المشاركة الفاعلة؛ تمنح الشركة رؤية استباقية للتغيرات المجتمعية القادمة، فتكون قادرة على التكيف معها قبل منافسيها الذين قد يكونون أكثر بعداً عن نبض الشارع المحلي.

الامتثال التنظيمي وتقليل المخاطر

ننتقل الآن إلى جانب آخر بالغ الأهمية في السوق الصينية، وهو الجانب المتعلق بالبيئة التنظيمية والقانونية. في شنغهاي، إحدى المدن الرائدة في تطبيق سياسات الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG)، فإن الشركات التي تظهر التزاماً واضحاً وعملياً بالمسؤولية الاجتماعية، غالباً ما تجد أن الطريق في التعامل مع البيروقراطية أصبح أكثر سلاسة، وأن المخاطر التشغيلية والقانونية المحيطة بها قد انخفضت بشكل كبير. من المهم فهم أن السلطات التنظيمية المحلية، وهي تحت ضغط لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، تنظر بعين الارتياح للشركات التي تساهم في هذه الجهود. هذا الارتياح يترجم غالباً إلى تعامل مرن في التفتيش السنوي، وتسهيل في الحصول على التراخيص والتجديدات، وأولوية في الانضمام للمناطق الصناعية الجديدة أو الحصول على حوافز ضريبية إضافية. أتذكر منذ عدة سنوات كيف أن إحدى الشركات الصناعية الإيطالية، تقدمت بطلب توسعة مصنعها في منطقة التنمية الجديدة، وكان المنافسون كثيرون، لكن الإدارة المحلية فضلتهم على غيرهم، وذكر أحد المسؤولين صراحةً أن تاريخ الشركة في مبادراتها المجتمعية، بخصوص خفض الانبعاثات الكربونية وإعادة التدوير، لعب دوراً حاسماً في القرار. لن تفهم هذا الأمر جيداً وانت جالس خارج الصين، فهذه الأمور تُحسم في غرف مغلقة، ولكن إجراءاتها تبدأ من علاقات الثقة المبنية على مر السنين.

كذلك الأمر بالنسبة لإدارة المخاطر، فمن خلال الانخراط الفعال مع أصحاب المصلحة المحليين، بما في ذلك سكان الجوار والنشطاء البيئيين، تستطيع الشركات استباق الصراعات المحتملة التي قد تؤدي لاحتجاجات أو شكاوى رسمية، وهذا القسم تحديداً كان يشكل كابوساً حقيقياً لكثير من عملائنا في قطاع الصناعات الكيميائية أو اللوجستية. الشركات التي تنشئ قنوات حوار واستشارة مع المجتمع المحيط بها، وتمول مشاريع تجميل أو تنقية هواء أو حدائق عامة، تحول جيرانها إلى حلفاء لها بدلاً من أن يكونوا مصدراً للمتاعب. الأمثلة على شركات أجنبية تم إغلاقها أو تعليق عملها مؤقتاً بسبب شكاوى متكررة أو مشاكل تلوث معينة، لأنها لم تكلف نفسها عناء بناء هذا الغطاء الاجتماعي الواقي. إن تكلفة معالجة مشكلة واحدة من مشاكل الامتثال البيئي، أو التعامل مع دعوى قضائية من أفراد المجتمع، تفوق بكثير ميزانية برنامج مسؤولية اجتماعية كاملة لعدة سنوات. لقد جعلت تضخم الغرامات والعقوبات في السنوات الأخيرة، هذا الموضوع أولوية قصوى.

في هذا السياق، يجب أن أذكر أن مصطلح "الترخيص الاجتماعي للعمل" هو مصطلح أصبح متداولاً بكثرة سواء في المكاتب الحكومية أو في الغرف التجارية الأجنبية، ويعني عملياً الضوء الأخضر الضمني من المجتمع المحلي لاستمرار أنشطتك. هذا الترخيص ليس وثيقة رسمية، بل هو مفهوم تشغيلي، يحصل عليه المستثمرون الأذكياء من خلال مجموعة من الأفعال الملموسة التي تظهر للسلطات والناس أنهم شركاء في التنمية وليسوا مجرد مستفيدين من قوانين السوق. نحن في مكتب "جياتشي"، ننصح عملاءنا دائماً بأن يخصصوا جزءاً من ميزانيتهم التسويقية أو تشغيلية ليس للدعاية، بل لبرامج تخدم مباشرة هذه الغاية الاستراتيجية، خاصة إذا كانوا في قطاعات حساسة أو تنافسية عالية مثل العقارات، الطاقة، البنية التحتية، فقد تكون هذه الاستثمارات هي الفيصل بين مشروع ناجح ومشروع يواجه جميع أنواع العقبات غير المعلنة التي لا تستطيع أن تقرأها من أي تقرير مالي.

تعبئة رأس المال البشري المحلي

هناك جانب آخر قد لا ينتبه له كثيرون، وهو علاقة المسؤولية الاجتماعية باستقطاب الموظفين والشركاء المحليين ذوي الكفاءة العالية. في سوق العمل التنافسي في شنغهاي، وخصوصاً في القطاعات المالية والتقنية المتقدمة، فإن الباحث عن عمل يبحث عن شركة تمنحه فرصا للتقدم المهني، ولكن الأهم أيضاً، يبحث عن شركة متماشية مع قيمه الشخصية، خاصة لدى جيل الشباب، هؤلاء الشباب المتعلمون في الخارج أو خريجو أفضل الجامعات الصينية، يتعرضون لعروض عمل كثيرة، وهوامش الرواتب لا تختلف كثيراً بين الشركات الكبرى متعددة الجنسيات. لذلك، يصبح عامل الجذب غير المادي حاسماً، وأحد أقوى عناصر هذا الجذب هو مصداقية الشركة الاجتماعية. الشركات التي يتحدث عنها موظفوها الحاليون بفخر عن مبادراتها لحماية البيئة أو دعم التعليم أو تمكين المرأة، تكون قادرة على بناء علامة تجارية قوية لصاحب العمل، وهذا الأداء الافضل يجذب المواهب المتميزة، والتي تفضل في كثير من الأحيان هذه الشركة على شركة أخرى ذات راتب أعلى قليلاً، كما ترغب في البقاء لفترة أطول.

وبالإضافة لذلك، فإن الشركاء التجاريين المحليين، بما فيهم الموردين والوكلاء، يفضلون أيضاً التعامل مع الشركات المسؤولة اجتماعياً، فهذه الأنشطة تخلق ثقة في إدارة الشركة واستقرارها المالي. نعرف أن الموردين الصينيين الصغار والمتوسطين كثيراً ما يتخوفون من تعثر الشركات الأجنبية الكبيرة في السداد، أو من تعاملها المتعجرف والمصلحي، الشركات التي تعرف ببرامجها في تطوير الموردين المحليين، أو تلك التي تدعم مؤسسات الأعمال المحلية، تجد أبوابا مشرعة أكثر لدى هؤلاء الموردين. فهم يقدمون لها أسعاراً أفضل في بعض الأحيان، وفترات ائتمان أطول، وأولوية في تلبية الطلبات السريعة، وهذا يعد ميزة تنافسية واضحة في سوق تدار فيه العلاقات الشخصية والثقة بشكل كبير جداً. نحن نقوم دائماً بتقييم شركاء الأعمال المحليين لعملائنا، والفرق في جودة التعامل يكون واضحاً جداً بين الشركات المعروفة بحسن نواياها المجتمعية وغيرها، هذه الأصول غير الملموسة تضاهي قيمة الأصول المادية للشركة.

لقد ذكرني هذا الحال بقصة شركة يابانية للتصنيع الغذائي كانت تحاول إقناع موزع محلي كبير للتعامل معها من حصة منتجاتهم، حيث كان الموزع متخوفاً من المخاطر الصحية وقضايا سلامة الغذاء المحتملة. الموزع في النهاية وافق على توقيع العقد، وأخبرنا لاحقاً أنه اختار الشركة اليابانية لأنهم كانوا يسمعون عن مبادراتهم في تثقيف المستهلك الصيني حول التغذية الصحية، وعلى أنها شركة تهتم بصحة الناس أكثر من مجرد بيع منتجاتها، وهذا الانطباع جعل الموزع يشعر بأن العمل معها أكثر أماناً وأقل عرضة للمشاكل، حتى لو كانت منتجات المنافسين أرخص قليلاً. الثقة التي تولدها هذه الأنشطة الاجتماعية، هي أقوى أداة تسويقية في السوق الصينية، لكن للأسف، كثيرون يهملونها لأنهم لا يجدون خانتاً سحرية لها في جداول الإكسل المالية الخاصة بهم.

عائد الاستثمار في المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR) للشركات الأجنبية في شانغهاي

منافع ضريبية وحوافز حكومية

بالحديث عن الأرقام والحسابات، فإنه لا يمكن الحديث عن عائد الاستثمار في المسؤولية الاجتماعية دون الإشارة إلى الجانب الضريبي والحوافز الحكومية المرتبطة به، وهذه هي النقطة التي أتقنها بالتحديد بسبب طبيعة عملي في شركة محاسبية وضريبية. في الصين، وكذلك في شنغهاي على وجه الخصوص، هناك نظام متكامل من الإعفاءات الضريبية والخصومات للشركات التي تنفق على أنشطة محددة تعتبر ذات فائدة اجتماعية. مثلا، التبرعات المقدمة للمؤسسات الخيرية المسجلة رسمياً يمكن خصمها من الدخل الخاضع للضريبة، ضمن حدود معينة. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالشركات التي تستثمر في مجالات مثل التعليم والبحوث البيئية أو دعم التوظيف، قد تحصل على معاملة تفضيلية في ضرائب أخرى أو حتى منح مباشرة من الحكومة المحلية. أذكر أن إحدى عملائنا الشركات الأميركية في قطاع التكنولوجيا الطبية، استفادت بشكل كبير من الإعفاءات الضريبية المرتبطة باستثماراتها في البحث والتطوير المشترك مع مستشفيات حكومية في شنغهاي، هذا التعاون، وإن كان يهدف في الأساس للتسويق ولتحسين سمعة الشركة، إلا أنه فتح لهم باباً كبيراً من الحوافز المالية والضريبية الكبيرة.

بالإضافة إلى ذلك، تخصص بعض المناطق في شنغهاي جوائز ومنحاً إضافية للشركات التي تسجل أعلى المستويات في أداء المسؤولية الاجتماعية والاستدامة، أو كما يسمى محلياً "السنة الذهبية للتنمية الخضراء"، هذه الجوائز لا تقتصر على الدروع والشهادات، بل تشمل في كثير من الأحيان مكافآت مالية مباشرة، أو خصومات على إيجار المكاتب والمساحات الصناعية، أو حتى دعماً جزئياً لرواتب الموظفين الجدد في مجال التقنية البيئية. في السنوات الأخيرة، شهدنا تزايد في هذه الممارسات كنوع من جذب الاستثمار الأجنبي النوعي، أي أن الحكومة المحلية لم تعد مهتمة بأي استثمار أجنبي، بل بتلك الشركات التي تلبي معايير الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، وهي على استعداد أن تدعمها بكل الطرق المتاحة. من وجهة نظر مالية بحتة، فإن هذه المزايا تشكل جزءاً مهماً من عائد الاستثمار في هذا المجال، ولكنها للأسف تحتاج إلى متخصصين لمعرفة كيفية تسجيل هذه النفقات وتقديمها للجهات المختصة بالشكل الصحيح الذي يضمن تحقيق أقصى استفادة ممكنة. كثير من الشركات الأجنبية لا تستفيد من هذه الإعفاءات، ليس لأنها غير مؤهلة، بل بسبب قلة المعرفة المحاسبية بكيفية توثيق هذه النفقات وتقديمها، وهذا هو دور "جياتشي" وأمثالها.

دعونا نكون دقيقين، لا أقول أن المسؤولية الاجتماعية يجب أن تكون مجرد وسيلة للتهرب الضريبي، فهذا لن يكون صحيحاً ولا مستداماً، لكنني أؤكد أن النية الصادقة للقيام بعمل جيد، لا تتعارض مع معالجة هذه النفقات بشكل ذكي لتوفير المال للشركة، خاصة في سوق يتسم بالتقلب والتحديات المتزايدة للهوامش الربحية. المحاسب الذكي في هذا المجال هو الشريك الاستراتيجي لإدارة الشركة، الذي يعرف كيف يحول الالتزام الاجتماعي إلى أصل مالي حقيقي، يخفف الأعباء ويساعد على إعادة استثمار الفوائد في المزيد من المشاريع المستدامة، وهذا ما نعمل عليه دائماً مع عملائنا في "جياتشي"، ونغرسه في عقول المديرين الماليين الجدد الذين ينضمون لنا. إن المواءمة بين الصالح الاجتماعي والمصلحة المالية الخاصة، هي جوهر الرأسمالية المسؤولة التي تتحدث عنها الشركات الكبرى في تقاريرها السنوية، وتطبيقها الفعلي على أرض شنغهاي يفرض واقعاً تجارياً أذكى بكثير من نظرياته.

الابتكار وفتح أسواق جديدة

كم منا يعتقد أن المسؤولية الاجتماعية هي ركود وروتين، وهي في الحقيقة على العكس من ذلك تماماً في شنغهاي الحديثة. إنها بوابة كبيرة للابتكار، ولدخول قطاعات وأسواق جديدة لم تكن ضمن نطاق أعمال الشركة التقليدي. السوق الصيني، وأخص بالذكر شنغهاي، سوق يتغير بسرعة، والبحث عن مصادر نمو جديدة يمثل تحدياً يومياً لأي شركة أجنبية، حتى تلك التي تحقق أرباحاً جيدة حالياً. مشاريع المسؤولية الاجتماعية، خاصة تلك المتعلقة بالاستدامة البيئية والتكنولوجيا الخضراء، تضع الشركة في طليعة الابتكار، وتجعلها على درجة أكبر من الوعي بالاتجاهات التنظيمية والمستهلكية القادمة. أذكر أن إحدى شركات السيارات الأوروبية أنشأت وحدة صغيرة لكهربة الدراجات النارية المستخدمة في التوصيل داخل وسط شنغهاي، بالتعاون مع جمعية سائقين محليين، وما بدأ كدراسة حول خفض الانبعاثات في المدينة، تطور إلى خط أعمال كامل جديد للشركة، تستهدفه الآن في الأسواق الآسيوية الأخرى، وهذا لم يكن ليتحقق لولا هذا النشاط المسؤول اجتماعياً.

إن التحديات الاجتماعية والبيئية المعقدة التي تزخر بها مدينة مثل شنغهاي، كالتلوث، والازدحام، والشيخوخة السكانية، تفتح آفاقاً كبيرة لتطوير منتجات وخدمات جديدة إذا نظرت إليها الشركة بعين استراتيجية، فالمسؤولية الاجتماعية تضع الشركة أمام هذه التحديات ليس كمتفرج أو ضحية، بل كمشارك يحاول إيجاد الحلول، وهذا الموقع المتميز يمنحها الطمأنينة التي تمتلكها فقط عندما تفهم احتياجات المجتمع بعمق. في كثير من الأحيان، تكون الأفكار المبتكرة التي تعالج مشكلة اجتماعية، هي التي تحصل على أكبر قدر من الدعم الحكومي وتمويلات خاصة من المؤسسات الاستثمارية الدولية المهتمة بالمعايير البيئية والاجتماعية. بالتالي يمكننا القول إن ميزانية المسؤولية الاجتماعية في هذه الحالة تعمل كميزانية لأبحاث السوق، لكن مع إمكانية عائد أعلى بكثير في حال نجاح المشروع. نحن نرى في تقاريرنا السنوية عملاءنا الذين يدمجون الاستدامة في جوهر ابتكاراتهم، يكون تقييم السوق لهم أعلى، وجاذبيتهم للمستثمرين أوسع، وهذا ينعكس في نهاية المطاف على قيمة أسهمهم إذا كانت مدرجة.

في رأيي، هذا هو التحدي الأمثل للشركات متعددة الجنسيات الوافدة إلى شنغهاي، ألا تتعامل مع المسؤولية الاجتماعية كشيء يعيق بيع المنتج، بل كوسيلة لإعادة تعريف منتجها وخدماتها لتلبية مستقبل السوق. المستهلك الصيني، والشركة الصينية على حد سواء، أصبحوا أكثر اهتماماً بالشفافية والاستدامة، والشركة الأجنبية التي تثبت من خلال مشاريعها أنها ليست وافدة جديدة لتستفيد فقط، بل هي مبتكر وشريك في بناء الدمج بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة والاجتماع، ستتمتع بميزة كبيرة لا تدوم معها المنافسة على السعر فقط. إن أسواق شنغهاي الكبرى سوف تتبع قادة الابتكار المسؤول، وليس أصحاب الأسعار الأرخص، وانتبه كلامي هذا، فقد لاحظتها بنفسي في قطاعات البناء والاستهلاك خلال السنين الأخيرة

استدامة الأعمال على المدى البعيد

في النهاية، لا بد لنا من التحدث عن صورة الاستدامة طويلة الأجل نفسها. في شنغهاي، الضغوط الاقتصادية اليومية قوية، والمنافسة العالية، وقد يبدو الاستثمار في المسؤولية الاجتماعية ترفاً عندما تكون أهداف الربع القادم معلقة أمام عينيك، لكن النظرة الثاقبة للمستثمر المتمرس تعرف أن أهداف الربع القادم يجب أن تقاس ضمن استراتيجية الثلاثين سنة القادمة. الشركات التي تمر بأزمة اقتصادية، أو تشهد تراجعاً في مبيعاتها، كما حصل خلال جائحة كورونا مثلاً، الشركات التي تجاوزت الأزمة بشكل أفضل، كانت تلك التي حظيت بدعم المجتمع المحلي، سواء عبر ولاء عملائها القدامى أو عبر الدعم اللفظي والعملي من الموظفين والموردين، فالأعمال السابقة التي بنتها في المجتمع، كانت بمثابة صندوق ادخار أخلاقي، سحبت منه وقت الحاجة. هذا رأي مستمد من التجربة العملية، وليس مجرد نظرة نظرية، فالشركات التي أعمل معها حالياً، تفتخر بأنها لم تستغنِ عن موظفيها خلال الأزمة على الرغم من خسارتها، ويرجع ذلك جزئياً لأنها كانت مضطرة للحفاظ على سمعتها أمام المجتمع، وقد كوفئت تلك الشركات بالولاء الجماهيري الهائل بعد ذلك، وسرعة تعافي أعمالها بشكل يتجاوز التوقعات، وهذا لا يظهر مباشرة في جدول العوائد، لكنه يظهر في قوائم الأرباح في النهاية، أليس كذلك؟

الاستدامة أيضاً تعني مناعة أكبر ضد الصدمات الخارجية، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية المحتملة بين الصين والغرب. وجودك كشركة أجنبية وتذكيرك المستمر بأنك شريك في بناء المجتمع الصيني، وليس مجرد أداة اقتصادية، يستخدمها صانعو السياسات، هذا التموقع يمنحك غطاء من العلاقات الشعبية والحكومية التي تحميك عند حدوث تقلبات سياسية. نعرف أن الشركات الأجنبية قد تكون كبش فداء في فترات معينة، لكن من الصعب جداً التضحية بشركة لها سجل حافل من الأفعال الخيرية المجتمعية، لها مبادرات وثيقة الصلة برفاهية المواطنين، وترتبط بعلاقات عمل محلية قوية. هذا لا يعني أن المسؤولية الاجتماعية ستحمي الشركة من القرارات السيادية، لكنه يعني أنها ستخفض من احتمالية استهدافها، وستوفر لها حلفاء في الأوساط الشعبية والرسمية للدفاع عنها إذا لزم الأمر. الشركات التي استثمرت في بناء هذه العلاقات العميقة عبر مبادراتها سيكون لديها "احتياطي استراتيجي" لا يستطيع منافسوها، الذين بنوا أعمالهم على مجرد المعاملات السطحية، تقليده بسهولة.

هذا البعد الاستراتيجي في نظري هو أصعب مقال يطرح نفسه، لأنه لا يتعلق بكسب المزيد، بل بعدم الخسارة، وهذا نوع صامت من أنواع عائد الاستثمار، يصعب قياسه قبل وقوع الحدث. لكن المستثمر الذكي يجب أن يفهم أنه مهما تم بناء قوة متانته المالية وحتى القانونية، فإن حسن النية في المجتمع هو أحد أصول الشركة الوطنية في نظر الناس، تماما كالعلامة التجارية، فإذا استغرق بناء هذه العلامة عشر سنوات، فاستمرارها أساسي للنجاة في أسواق مثل شنغهاي حيث النسيج الاجتماعي معقد وسريع التفاعل.

في الختام، وبعد استعراضنا لهذه الجوانب المتعددة، أود أن أذكّر بأن الاستثمار في المسؤولية الاجتماعية في شنغهاي ليس رحلة قصيرة نحو الحصول على إشادة أو منحة، بل هو بناء ذكي لشركة أكثر ذكاءً وقدرة على التكيف مع السوق. العائد الحقيقي يتوزع بين تحسين السمعة، وزيادة ولاء الموظفين، وتخفيف المخاطر، والحوافز المالية، وتوليد الابتكار، وكلها عناصر تتراكم عبر الزمن لتشكل شركة أكثر صلابة وأفضل أداء. من خلال تجربتي، التي تمتد لأكثر من عقد، فإني أشجع جميع المستثمرين الأجانب في شنغهاي أو المقبلين عليها، بأن ينظروا إلى المسؤولية الاجتماعية كأداة عمل، جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الأساسية، وليس كعمل إضافي يقاس بميزانية السنة الماضية، إن الطريق في هذه المدينة، التي لا تقدر فقط على السرعة بل على الاتجاه، يسلكه من