مرحباً بكم جميعاً، أنا الأستاذ ليو. قبل ما يزيد عن عقد من الزمن، بدأت رحلتي في شركة "جياشي" للضرائب والمحاسبة، وطوال هذه السنوات الـ12 المخصصة لخدمة الشركات الأجنبية، و14 عاماً من الخبرة المتراكمة في مجال التسجيل والمعاملات، شهدت عن قرب كيف تتطور بيئة الأعمال في الصين وتنضج. واحد من أكثر المواضيع التي تثير حيرة وقلق عملائنا، خاصة القادمين الجدد إلى السوق الصينية، هو موضوع "تركيز الأعمال" والإبلاغ عنه للسلطات. البعض يسمع المصطلح ويتصور أنه مجرد نموذج بيروقراطي روتيني، لكن الحقيقة، كما سأشرح لكم، أنها قضية استراتيجية بالغة الأهمية قد تحدد مسار عملكم في الصين.
في الأساس، "تركيز الأعمال" أو ما يُعرف أحياناً بـ "تجميع الأعمال" يشير إلى الحالة التي تصل فيها حصة السوق أو القدرة على التحكم في السوق لشركة أو مجموعة شركات إلى مستوى معين، مما قد يؤثر على المنافسة العادلة في السوق. الحكومة الصينية، من خلال قانون مكافحة الاحتكار ولائحته التنفيذية، تطلب من الشركات التي تستوفي معايير معينة الإبلاغ عن عمليات الاندماج والاستحواذ هذه مسبقاً للحصول على موافقة من سلطات مكافحة الاحتكار، وهي إدارة الدولة لتنظيم السوق (SAMR) سابقاً والهيئات المختصة حالياً. لماذا هذا مهم؟ لأن السوق الصينية ضخمة ومتنوعة، والحفاظ على تنافسيتها وصحتها هو أمر بالغ الأهمية للنمو الاقتصادي المستدام وحماية مصالح جميع الأطراف، بما فيهم أنتم كمستثمرين أجانب.
أتذكر في بداية عملي، تعاملت مع حالة لشركة أوروبية متوسطة الحجم تعمل في قطاع المواد الكيميائية الخاصة. كانوا على وشك الاستحواذ على منافس محلي صغير لكنه مبتكر جداً. فريقهم القانوني الدولي اعتقد أن الصفقة "صغيرة جداً" ولا تستدعي التفكير. لكن بعد تحليلنا الدقيق لحصص السوق في المنطقة الجغرافية الضيقة والمنتجات الدقيقة المعنية، اكتشفنا أن المعايير المحلية للإبلاغ قد تستوفي! تجاهلهم الأولي لهذا الأمر كاد أن يعرضهم لعقوبات مالية وتأخير كبير. من هذه التجربة وغيرها، أدركت أن فهم "معايير الإبلاغ" ليس مجرد امتثال قانوني، بل هو جزء من الذكاء الاستراتيجي لإدارة المخاطر والاندماج الناجح في السوق الصينية.
المعايير الأساسية للإبلاغ
دعونا نغوص في صلب الموضوع. المعايير الأساسية للإبلاغ عن تركيز الأعمال في الصين منصوص عليها بشكل رئيسي في "لائحة الإبلاغ عن تركيز الأعمال". بشكل عام، هناك محوران رئيسيان: معيار حجم الأعمال العالمي ومعيار حجم الأعمال داخل الصين. يجب تحقيق كلا المعيارين معاً في السنة المالية السابقة على الصفقة حتى يكون الإبلاغ إلزامياً. المعيار العالمي يعني أن إجمالي حجم الأعمال العالمي لجميع المشغلين المعنيين يتجاوز 10 مليارات يوان صيني (حوالي 1.4 مليار دولار أمريكي)، وأن حجم أعمال اثنين على الأقل منهم بشكل منفرد في الصين يتجاوز 400 مليون يوان. هذا المعيار يهدف إلى التقاط الصفقات التي يكون لأطرافها وجود كبير على مستوى العالم وتأثير محتمل في السوق الصينية.
أما المعيار الثاني، معيار حجم الأعمال داخل الصين، فينص على أنه إذا تجاوز إجمالي حجم الأعمال داخل الصين لجميع المشغلين المعنيين 2 مليار يوان، وكان حجم أعمال اثنين على الأقل منهم بشكل منفرد في الصين يتجاوز 400 مليون يوان، فإن الصفقة تخضع للإبلاغ. هذا المعيار يركز بشكل مباشر على النشاط الفعلي داخل السوق الصينية. هنا تكمن واحدة من التحديات الشائعة: كيف نحسب "حجم الأعمال داخل الصين" بدقة؟ هل يشمل فقط المبيعات للمستخدمين النهائيين في الصين؟ ماذا عن المبيعات عبر منصات التصدير؟ في تجربتي، رأيت شركات تتعثر لأنها حسبت إيراداتها بناءً على فاتورة الشحن (FOB) بدلاً من القيمة السوقية المحلية، مما أدى إلى تقدير غير دقيق. الأمر يتطلب فهماً دقيقاً للمبادئ المحاسبية والقانونية الصينية.
قضية عملية أود مشاركتها: عملنا مع شركة أمريكية للتكنولوجيا الحيوية كانت تخطط لشراء حصة مسيطرة في شركة صينية ناشئة. حجم أعمال الشركة الناشئة كان أقل من 100 مليون يوان، لذا اعتقد الجميع أن الإبلاغ غير مطلوب. ومع ذلك، عند التدقيق، اكتشفنا أن "المشغلين المعنيين" يشملون أيضاً الشركة الأم للجانب الأمريكي على مستوى العالم. عندما جمعنا إجمالي حجم الأعمال العالمي للجميع، تجاوزنا عتبة الـ10 مليارات يوان بسهولة، وحجم أعمال الشركتين داخل الصين تجاوز 400 مليون لكل منهما. لو لم ننتبه لهذا التفصيل، لكانت الصفقة قد واجهت توقيفاً وتحقيقاً لاحقاً. الدرس المستفاد: النظر الشامل لجميع الكيانات المرتبطة ضمن المجموعة هو أمر حاسم.
حساب حجم الأعمال
هذا الجانب تقني أكثر ولكنه عمود فقري للتقييم. "حجم الأعمال" كما تفسره السلطات الصينية لا يعني بالضرورة صافي الربح أو الإيرادات حسب المفهوم المحاسبي الغربي. يشمل بشكل أساسي إيرادات المبيعات للسلع والخدمات بعد خصم الضرائب ذات الصلة، بالإضافة إلى الإيرادات الأخرى التشغيلية. السؤال الذي يطرحه العملاء دائماً: ماذا عن الإيرادات من فروعنا خارج الصين ولكنها تبيع منتجات مصنوعة في الصين؟ الجواب: عادةً ما تُحسب هذه الإيرادات ضمن حجم الأعمال "العالمي" وليس بالضرورة ضمن حجم الأعمال "داخل الصين" ما لم تكن المعاملة بين كيانين صينيين. التحدي يكمن في أنظمة المحاسبة الموحدة للشركات متعددة الجنسيات، والتي قد لا تفصل البيانات الجغرافية بالطريقة المطلوبة من قبل اللوائح الصينية.
في إحدى الحالات الصعبة التي واجهناها، كانت لشركة يابانية لصناعة السيارات عدة مشاريع مشتركة (Joint Ventures) في الصين. عند تقييم صفقة لشراء تقنية من إحداها، كان علينا تحديد ما إذا كانت إيرادات المشروع المشترك الآخر (الذي لا علاقة له بالصفقة مباشرة) يجب إدراجها في حساب "حجم الأعمال داخل الصين" للطرف الياباني. التفسير القانوني الدقيق أشار إلى أن الكيان القانوني المنفصل الذي يتحكم فيه الطرف الياباني بشكل منفرد أو مشترك هو الذي يُحسب. هذا يتطلب تفكيك هياكل الملكية المعقدة والاتفاقيات التشغيلية. الخلاصة: البنية القانونية للاستثمار في الصين تؤثر مباشرة على حساب معايير الإبلاغ.
نصيحة عملية من واقع خبرتي: لا تنتظر حتى مرحلة التوقيع النهائي للبدء في جمع هذه البيانات. عملية حساب حجم الأعمال يجب أن تبدأ في مرحلة مبكرة من التفاوض. لأن تجميع البيانات من فروع متعددة، وتحويل العملات، والتأكد من اتساق الفترات المالية قد يستغرق أسابيع. كثيراً ما تؤخر الصفقات بسبب هذا الإجراء اللوجستي وليس بسبب الاعتراض القانوني. أنشئ قناة اتصال واضحة بين فريق الصفقة وفريق المحاسبة والمالية الداخلي منذ اليوم الأول.
تحديد "المشغلين المعنيين"
من أكبر مصادر الارتباك هو تحديد من هم بالضبط "المشغلون المعنيون" في الصفقة. التعريف ليس دائماً بديهياً. يشمل بشكل أساسي جميع الأطراف المشاركة في التركيز (مثل المشتري والبائع في عملية استحواذ)، وأيضاً الشركات التي تسيطر عليها أو تسيطر على هذه الأطراف، والشركات التابعة ضمن نفس المجموعة. بمعنى آخر، قد تكون شركة قابضة في جزر كايمان، لا تعمل مباشرة في الصين، جزءاً من "المشغل المعني" إذا كانت تسيطر على أحد الأطراف.
تذكرت حالة لعميل من جنوب شرق آسيا يملك مصنعاً في الصين من خلال هيكل استثمار متعدد الطبقات يتضمن كياناً في هونغ كونغ. عندما أراد هذا العميل الاستحواذ على عميل آخر لموزعه الصيني، كان علينا أولاً أن نرسم خريطة كاملة لسلسلة السيطرة. اكتشفنا أن الشركة الأم النهائية (Ultimate Parent) كانت مدرجة في البورصة ولها إيرادات عالمية ضخمة. هذا جعل الصفقة، التي بدت صغيرة على مستوى الأرض، تخضع لإجراءات الإبلاغ. الخطأ الشائع هو النظر فقط للكيان الموقع على الاتفاقية وتجاهل الشجرة الكاملة للملكية والسيطرة.
هنا، مصطلح "السيطرة" هو المفتاح. السيطرة لا تعني بالضرورة امتلاك أكثر من 50% من الأسهم. يمكن أن تكون عبر حقوق التصويت، أو القدرة على تعيين أو عزل أغلبية أعضاء مجلس الإدارة، أو تأثير حاسم عبر العقود أو التقنيا. في قطاعات مثل التكنولوجيا أو المشاريع القائمة على العقود (Vie Structure)، يكون تحليل "السيطرة" معقداً للغاية. نصيحتي: استشر مستشاراً متخصصاً في مرحلة مبكرة لتحليل هيكل السيطرة، فهذا قد يوفر عليك أشهر من التقديم الخاطئ أو الرفض.
الإجراءات والمواعيد النهائية
بعد تحديد وجوب الإبلاغ، تبدأ رحلة الإجراءات الشكلية. يجب تقديم إخطار مسبق إلى سلطات مكافحة الاحتكار. لا يجوز تنفيذ الصفقة خلال فترة المراجعة. الموعد النهائي النموذجي هو تقديم الإخطار قبل تنفيذ التركيز، وبعد توقيع الاتفاقية أو الإعلان عن عرض الاستحواذ. المرحلة الأولى من المراجعة هي 30 يوماً تقويمياً من تاريخ قبول الملف الكامل. إذا رأت السلطات أن الصفقة قد تقيد المنافسة، فقد تفتح مرحلة مراجعة ثانية مدتها 90 يوماً، قابلة للتمديد إلى 60 يوماً إضافياً في حالات معقدة.
التحدي العملي الكبير هو إعداد "الملف الكامل". القائمة الوثائقية شاملة وتتطلب معلومات حساسة للغاية، مثل تقارير السوق الداخلية، وتحليلات المنافسة، وبيانات العملاء والموردين الرئيسيين. إحدى التجارب التي لا أنساها كانت مع عميل في قطاع التجزئة الفاخرة. واجهنا صعوبة في إقناعهم بمشاركة بيانات مبيعات مفصلة حسب المدينة والمنتج، خوفاً من تسرب المعلومات. كان علينا أن نشرح أن السلطات تلتزم بسرية صارمة، وأن عدم تقديم المعلومات الكافية قد يؤدي إلى تمديد فترات المراجعة أو حتى الرفض. التحضير الجيد والوثائق الشاملة هي أفضل طريقة لتسريع العملية.
نقطة مهمة أخرى: حتى إذا بدأت الصفقة تنفيذها خارج الصين (مثل دمج العمليات في أوروبا)، إذا استوفت معايير الإبلاغ الصينية، يجب التوقف عن أي تنفيذ قد يؤثر على السوق الصينية (مثل دمج فرق المبيعات أو تغيير سياسات التسعير العالمية) حتى الحصول على الموافقة الصينية. خرق هذا الشرط، المعروف بـ "Gun Jumping"، قد يؤدي إلى غرامات باهظة تصل إلى 10% من إجمالي حجم الأعمال العالمي للعام السابق.
تأثير السياسات الجديدة
بيئة الإبلاغ ليست ثابتة. في السنوات الأخيرة، شهدنا تشديداً في الإنفاذ وتوسيعاً في نطاق المراجعة. السلطات الصينية أصبحت أكثر اهتماماً بصفقات الاستحواذ في القطاعات الاستراتيجية مثل أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، الأدوية الحيوية، والبيانات الضخمة. حتى إذا كانت الصفقة لا تستوفي العتبات المالية التقليدية، فقد تخضع للمراجعة إذا رأت السلطات أنها قد تؤثر على المنافسة الوطنية أو الأمن القومي أو المصلحة العامة. هذا ما يُشار إليه أحياناً بـ "المراجعة الأمنية" المتداخلة مع مراجعة مكافحة الاحتكار.
قبل بضع سنوات، عملنا على صفقة لشركة أجنبية لشراء أصول تتعلق بتقنية إنترنت الأشياء (IoT) من شركة صينية متعثرة. من الناحية المالية، كانت تحت العتبة. لكن لأن البيانات التي تجمعها هذه الأصول كانت ذات طبيعة جغرافية حساسة، نصحنا العميل بالتشاور المسبق غير الرسمي مع السلطات. وهذا ما فعلوه، وتبين أن السلطات طلبت تقديم إخطار مفصل رغم عدم تجاوز العتبات، بسبب اعتبارات سياسية جديدة. التشاور المسبق غير الرسمي أصبح أداة قيمة لإدارة التوقعات والمخاطر في الصفقات الحساسة.
كما أن السلطات أصبحت أكثر مهارة في تحليل تأثير الصفقات على المنافسة غير السعرية، مثل الابتكار، وجودة المنتج، وحماية البيانات. لا تعتقد أن سعرتك منخفضة أو حصتك السوقية صغيرة فهذا يضمن الموافقة. قد يتم رفض صفقة إذا كانت ستؤدي إلى تجميع كبير للبيانات الشخصية أو تقليل الحوافز للبحث والتطوير في مجال استراتيجي.
الاستراتيجيات والتوصيات
بناءً على كل ما سبق، كيف تستعد كشركة أجنبية؟ أولاً، اجعل التقييم المسبق روتينياً. قبل الدخول في مفاوضات جادة لأي اندماج أو استحواذ في الصين، قم بإجراء تحليل أولي لمعايير الإبلاغ. ثانياً، ادمج مستشار مكافحة الاحتكار في فريق الصفقة مبكراً، وليس كمستشار قانوني لاحق. خبرتهم يمكن أن تساعد في تصميم هيكل الصفقة أحياناً لتجنب أو تسهيل عملية الإبلاغ.
ثالثاً، استعد لطول المدة. ضع في خطة عملك أن عملية المراجعة قد تستغرق من 4 إلى 6 أشهر، أو أكثر في الصفقات المعقدة. لا تربط خططك التشغيلية الحساسة بموعد افتراضي قصير. رابعاً، كن شفافاً وتعاونياً مع السلطات. الموقف الدفاعي أو محاولة إخفاء المعلومات عادة ما يسبب شكوكاً ويطيل العملية. أخيراً، ضع في اعتبارك خطة الطوارئ (Plan B)، مثل التزامات بيع أصول معينة إذا طلبت السلطات ذلك كشرط للموافقة.
من وجهة نظري الشخصية، بعد مشاهدة عشرات الحالات، أرى أن نظام الإبلاغ عن تركيز الأعمال في الصين يتجه نحو مزيد من المهنية والشفافية والتركيز على الجوهر الاقتصادي وليس الشكل فقط. المستقبل قد يشهد عتبات مالية معدلة، أو معايير نوعية جديدة (مثل حجم البيانات المتحكم فيها). الشركات الأجنبية التي تتعامل مع هذا النظام بجدية واحترام، وتستثمر في فهمه، ليست فقط تمتثل للق