# ما هو وضع انفتاح صناعة التأجير التمويلي على الاستثمار الأجنبي؟ ## مقدمة مشوقة في خضم التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعيشها المنطقة العربية، يبرز سؤال ملح على ألسنة المستثمرين ورجال الأعمال: ما هو وضع انفتاح صناعة التأجير التمويلي على الاستثمار الأجنبي؟ هذا السؤال ليس مجرد فضول فكري، بل هو بوابة لدخول سوق واعد يبلغ حجمه العالمي تريليونات الدولارات. فالتأجير التمويلي، الذي يُعرف أيضاً بـ"الإيجار المنتهي بالتملك"، أصبح واحداً من أسرع أدوات التمويل نمواً في العالم، خاصة في الاقتصادات الناشئة. لطالما كانت صناعة التأجير التمويلي حكراً على البنوك المحلية والمؤسسات المالية الوطنية في معظم الدول العربية. لكن مع الضغوط المتزايدة لتنويع مصادر التمويل وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، بدأت الحكومات العربية تفتح أبوابها تدريجياً لهذا القطاع. الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول جاهزية البيئة التشريعية، ومدى تنافسية السوق المحلية، وقدرة الشركات المحلية على مواجهة المنافسة العالمية. عندما أتذكر تجربتي المهنية التي تمتد لأكثر من 14 عاماً في مجال تسجيل الشركات الأجنبية ومعاملاتها، أستحضر حالة شركة خليجية كبرى حاولت دخول السوق المصري عبر إنشاء شركة تأجير تمويلي قبل نحو 5 سنوات. استغرقت عملية الترخيص والحصول على الموافقات أكثر من 14 شهراً، مما أدى إلى تأجيل خططها التوسعية وفقدان فرص استثمارية ذهبية. هذه الواقعة وغيرها تبين لنا أن مسار الانفتاح ليس سهلاً، لكنه ممكن وواعد. في هذه المقالة الشاملة، سوف نستكشف معاً الأبعاد المختلفة لانفتاح صناعة التأجير التمويلي على الاستثمار الأجنبي، مسلطين الضوء على التحديات والفرص، معتمدين على خبرات عملية وأمثلة واقعية من أسواقنا العربية. ## التطور التشريعي والتنظيمي

عند الحديث عن انفتاح قطاع التأجير التمويلي على الاستثمار الأجنبي، فإن القاعدة الأساسية التي يجب أن ننطلق منها هي أن التطور التشريعي يشكل العمود الفقري لأي عملية انفتاح حقيقية. ففي السنوات الأخيرة، شهدنا بالفعل جهوداً متسارعة من قبل الحكومات والجهات الرقابية في المنطقة العربية لتحديث الأطر القانونية المنظمة لعمل شركات التأجير التمويلي، خاصة ما يتعلق منها بتملك الأجانب للشركات المحلية بل وإدارتها.

لنأخذ على سبيل المثال دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أصدرت قراراً وزارياً في عام 2022 قامت بموجبه بتعديل نسبة تملك الأجانب في شركات التأجير التمويلي لتصبح 100% في بعض الإمارات، بدلاً من النسبة السابقة التي كانت تقتصر على 49% فقط. هذا التعديل، وإن جاء متأخراً نسبياً مقارنة بالأسواق المالية الناضجة، إلا أنه يمثل نقلة نوعية تستحق الإشادة. فعندما عدنا لهذه التجربة خلال عملنا في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، وجدنا أن الشركات الأجنبية التي استفادت من هذا القرار تمكنت من زيادة حجم محافظها التمويلية بنسبة تجاوزت 35% خلال عام واحد فقط.

في المقابل، ما زالت بعض الأسواق العربية الأخرى تنظر إلى هذا القطاع بحذر شديد، ففي بعض الدول الخليجية الأخرى - مثل المملكة العربية السعودية التي تشهد إصلاحات اقتصادية ضخمة في إطار "رؤية 2030" - لا تزال القيود على التملك الأجنبي المباشر قائمة إلى حد ما، وإن كانت قد سمحت بدخول المستثمر الأجنبي عبر هياكل وسيطة مثل الصناديق الاستثمارية أو التحالفات الاستراتيجية مع شركات محلية. هذا التباين في السياسات التنظيمية يخلق في الواقع خريطة استثمارية معقدة، حيث يتعين على كل مستثمر أجنبي أن يدرس بعناية القواعد المنظمة في السوق الذي يستهدفه.

ومن اللافت في التطور التشريعي أن كثيراً من الدول العربية استحدثت هيئات رقابية متخصصة للإشراف على قطاع التأجير التمويلي، وهو ما يعطي مؤشراً قوياً على النضج التنظيمي. ففي مصر مثلاً، أصبحت الهيئة العامة للرقابة المالية هي المشرف الرئيسي على هذا القطاع منذ عام 2010، وقد قامت بإصدار سلسلة من اللوائح التنفيذية التي تحدد أدق التفاصيل المتعلقة بتراخيص الشركات، وحدود التمويل، وحركة رأس المال الأجنبي. هذه الخطوات القانونية المتدرجة ساهمت في بناء جسر من الثقة بين الجهات الرقابية المحلية والشركات الأجنبية.

غير أن التحدي الأكبر الذي ما زال يقف أمام المستثمر الأجنبي لا يكمن في نصوص القوانين بقدر ما يكمن في تطبيقها الفعلي ومدى مرونة الإجراءات. خلال عملي مع إحدى الشركات الآسيوية التي حاولت دخول السوق المغربية، اكتشفنا أن اللوائح تسمح نظرياً بالتملك الكامل للشركات المحلية، لكن من الناحية العملية كانت البيروقراطية تتطلب أكثر من 45 توقيعاً وموافقة للانتهاء من عملية التأسيس. هذه الفجوة بين النص النظري والممارسة الفعلية تعتبر من أهم العوائق التي يجب العمل على معالجتها إذا أردنا دعماً حقيقياً للاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع الحيوي.

## البنية التحتية المالية والمصرفية المساندة

لا أحد يمكنه أن ينكر أن نجاح صناعة التأجير التمويلي يعتمد بشكل جوهري على قوة البنية التحتية المالية والمصرفية في البلد المضيف. فعندما يتطلع مستثمر أجنبي إلى دخول هذا المجال، فإنه لا يسأل فقط عن حجم السوق، بل عن مدى كفاءة النظام المصرفي المحلي في توفير التمويل الميسر والضمانات اللازمة لعمليات التأجير. في هذا الصدد، تتفاوت الإمكانيات بشكل كبير بين الدول العربية؛ حيث نجد أن البنية المصرفية المتطورة في كل من الإمارات وقطر والسعودية تقدم دعماً قوياً لشركات التأجير التمويلي، بينما نجد أن بعض الأسواق الأخرى ما زالت تعاني من فجوات هيكلية واضحة.

دعوني أسرد لكم تجربة عملية من واقع عملي؛ فقد تعاملت مع إحدى الشركات الأوروبية المتخصصة في تأجير المعدات الثقيلة التي رغبت في توسيع أعمالها في منطقة الشرق الأوسط. كانت نقطة الجذب الأساسية بالنسبة لها هي وجود بنية تحتية مصرفية قوية في مركزها المالي الإقليمي الذي اختارته ليكون نقطة انطلاقها. وقد ساعدتها سهولة الوصول إلى خطوط ائتمان بالعملة الأجنبية والاستفادة من أدوات التحوط المتاحة في تمويل عملياتها بسرعة ومرونة كبيرتين. وفي المقابل، عندما حاولت نفس الشركة توسيع نشاطها في سوق عربي آخر أقل تطوراً مصرفياً، واجهت صعوبات كبيرة في تأمين التمويل المحلي بالعملة المحلية، مما اضطرها للاعتماد على مصادر تمويل خارجية مكلفة وبشروط معقدة.

من العوامل المهمة أيضاً في هذه البنية التحتية وجود أنظمة معلومات ائتمانية موثوقة وفعالة. فالمستثمر الأجنبي الذي اعتاد على قواعد بيانات شاملة في أسواقه الأم سيواجه صعوبة بالغة في تقييم المخاطر الائتمانية لعملائه المحتملين إذا كانت المعلومات المتاحة محدودة أو غير دقيقة. بعض الدول العربية خطت خطوات جيدة في هذا المضمار، مثل المملكة العربية السعودية من خلال "الشركة السعودية للمعلومات الائتمانية" (سمة)، لكن تظل هناك فجوة ملحوظة في جودة وشمولية هذه البيانات في أسواق أخرى، وقد يتعامل معها المستثمر الأجنبي بحذر شديد أو يطلب علاوات مخاطر أعلى لتعويض هذا النقص.

وعلى صعيد آخر، يبرز دور الشركات الدولية الكبرى المتخصصة في التأجير التمويلي في توجيه دفة الاستثمار الأجنبي. لاحظنا في الآونة الأخيرة تحالفات استراتيجية بين شركات عربية محلية وشركات عالمية عملاقة، حيث توفر الأخيرة الخبرات الفنية والتقنيات الحديثة والتقييم الائتماني المتطور، وتتكفل الشركات المحلية بفهم السوق وتوفير الشبكات التجارية والمعرفة الثقافية اللازمة للتعامل مع العملاء. هذا النمط من التحالفات يحل مشكلة نقص الخبرة المحلية من جهة، ويقلل من مخاطر دخول السوق من جهة أخرى، مما يسهم في تعزيز جاذبية البيئة الاستثمارية.

ولا يمكن إغفال الأثر المحوري للتقنيات المالية الحديثة "فينتك" في إعادة تشكيل هذا القطاع. فقد أصبح التحول الرقمي في خدمات التمويل والتأجير عاملاً جاذباً للاستثمارات الأجنبية؛ فالشركات التي تعتمد على منصات رقمية متطورة للتواصل مع العملاء وإدارة العقود ومتابعة الأصول المؤجرة تجد نفسها في موقع تنافسي أقوى بكثير. إحدى الشركات الأجنبية التي عملنا معها مؤخراً في السوق المصري اعتمدت على منصة رقمية متكاملة تتيح للعملاء إنهاء إجراءات التأجير بالكامل عبر الإنترنت خلال أقل من 48 ساعة، وهو ما أعطاها تمايزاً كبيراً في سوق ما زال يعتمد بشكل أساسي على الأوراق والعمليات اليدوية.

## قيود رأس المال ونظام تحويل الأرباح

من أكثر النقاط حساسية التي تشغل بال المستثمر الأجنبي عند التفكير في الدخول إلى أي سوق عربية هي بالتأكيد حرية تحويل الأرباح ورأس المال إلى الخارج. ويمكنني القول بثقة كبيرة إن هذا البند هو الذي يفصل بين السوق الجاذب للاستثمار حقاً وبين السوق الذي يكتفي بالشعارات ويتحفظ في النوايا. ففي بعض الدول العربية، مثل مصر والأردن والمغرب، لا توجد قيود صارمة على تحويل الأرباح، لكن الإجراءات الإدارية قد تستغرق وقتاً وموافقات متعددة، مما يؤثر على سرعة رد الربح على المدى القصير.

هنا لا بد أن أذكر حالة واقعية لمجموعة استثمارية خليجية عملت معها في تأسيس شركة تأجير تمويلي مشتركة، وكانت إحدى أهم نقاط التفاوض هي الآلية التي ستتبعها لتحويل أرباحها السنوية بطريقة لا تتعارض مع اللوائح المحلية ولا تؤخر تدفقاتها النقدية. استطعنا معاً في مكتب جياشي أن نصمم هيكلاً مالياً يستخدم آليات التحوط والتخطيط الضريبي الدولي لضمان سلاسة تدفقات الأرباح، لكن هذا تطلب بالطبع تعاملاً عميقاً مع التعقيدات القانونية واختلافات التفسير بين الجهات الرقابية. ولاحظنا أن الشركات التي تستشير خبراء محليين متمرسين من البداية تكون أكثر قدرة على تلبية متطلبات الجهات الرقابية وأسرع في تحقيق أهدافها المالية.

أما فيما يتعلق بتمويل الشركات الأم لشركاتها التابعة في المنطقة، فهناك تحديات أخرى تتمثل في ضوابط الاستدانة والهيكلة المالية. فبعض الدول العربية تفرض نسباً قصوى بين حقوق الملكية والتمويل الخارجي للشركات العاملة في قطاع التأجير التمويلي، وهو ما قد لا يتناسب مع الاستراتيجيات التوسعية للشركات الأجنبية التي تعتمد عادة على رفع النسب التشغيلية لتمويل عملياتها. هذه القيود، وإن كانت تهدف إلى حماية السوق المحلي من المخاطر المفرطة، إلا أنها في بعض الحالات قد تكون عائقاً أمام التوسع السريع الذي تخطط له شركات التأجير العالمية.

وأيضاً من التحديات الشائعة في هذا الصدد وجود قواعد صارمة متعلقة بالسيولة الأجنبية لدى بعض البنوك المركزية، والتي تتطلب من الشركات الحصول على موافقات مسبقة لأي تحويلات مالية كبيرة. هذه القواعد تتعارض مع الطبيعة الديناميكية لعمليات التأجير التمويلي التي تتطلب سرعة في تحويل الأموال لتمويل الأصول الجديدة أو إعادة تمويل العقود القائمة. وعندما نتحدث من واقع خبرتنا الطويلة، فإن الشركات التي بنت علاقات وثيقة مع البنوك المحلية ووفرت جميع البيانات المطلوبة بشفافية تامة هي الأكثر قدرة على تجاوز هذه التحديات بسلاسة.

في النهاية، لا يمكن للمستثمر الأجنبي أن يتجاهل البعد الضريبي لتحويلات الأرباح، فهو يشكل عاملاً هاماً في تحديد صافي العائد على الاستثمار. في هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي الموقعة بين الدول العربية وبعضها البعض ومع الدول المصدرة للاستثمار، وكذلك الموقع الجغرافي للدولة المضيفة، فبعض الوجهات العربية التي تتميز بموقع إقليمي متميز تتيح الوصول إلى أسواق متعددة دون عبء ضريبي إضافي، وهذا عامل جذب بالغ الأهمية للشركات متعددة الجنسيات في مجال التأجير التمويلي.

## تنافسية السوق المحلية وتفاعلها مع اللاعبين الأجانب

عندما ننظر إلى السوق المحلي في أي دولة عربية، سنجد مشهداً متنوعاً من اللاعبين المحليين الذين يديرون أنشطة التأجير التمويلي بأساليب مختلفة، من الشركات المتخصصة التي تركز على قطاعات محددة إلى البنوك التي تقدم خدمات التأجير كإحدى الأدوات ضمن محفظة منتجاتها الائتمانية. هذا التنوع في المشهد المحلي يشكل فرصة وتهديداً في الوقت ذاته للمستثمر الأجنبي؛ إذ يجد أمامه سوقاً غير مشبعة في بعض القطاعات، لكنه في المقابل سيواجه منافسة شديدة من الجهات المحلية التي تفهم دقائق السوق وتستمتع بشبكات علاقات واسعة.

منذ سنوات قليلة، عملت مع مستثمرين من شرق آسيا كانوا يرغبون في دخول سوق التأجير التمويلي للمعدات الطبية في إحدى الدول العربية. كانت المنافسة وقتها محدودة جداً من الشركات المحلية، لكنهم اكتشفوا أن الشركات المحلية كانت تعتمد على علاقاتها المباشرة مع المستشفيات ومديري المشتريات الحكوميين، وهو ما صعب عليهم مهمة اختراق السوق من الجانب التقني البحت. لذلك قرروا تكوين شراكة مع شركة محلية صغيرة كانت تفتقر إلى رأس المال اللازم للتوسع لكنها كانت تمتلك شبكة علاقات قوية. هذه الشراكة أثبتت نجاحها، لأنها مزجت بين التكنولوجيا والرأسمال الأجنبي وبين الخبرة المحلية والوصول للسوق.

أما على مستوى الحصة السوقية، فعلى الرغم من حجم السوق الذي تقدمه الدول العربية - ويقدر بنحو 150 مليار دولار أمريكي في المنطقة بأكملها - نجد أن نسبة الشركات الأجنبية العاملة بشكل مباشر في قطاع التأجير التمويلي لا تزال متواضعة جداً. وهذا يعني أن هناك إمكانات هائلة للنمو، لكنها مشروطة بتجاوز العقبات اللوجستية والتنظيمية والمالية التي تعترض الوافدين الجدد. كما أن البنية الهيكلية للسوق المحلي في معظم الدول العربية تعتمد في الأساس على التمويل المصرفي التقليدي، وتحتاج الصناعة إلى تنويع مصادر التمويل من خلال إصدار أدوات دين، أو التوريق، أو اللجوء للأسواق المالية الإسلامية.

وبخصوص اتجاهات الطلب في السوق المحلي، فقد لاحظنا تحولاً كبيراً في السنوات الأخيرة نحو قطاعات متخصصة لم تكن معروفة من قبل، مثل تأجير الطائرات وسفن الشحن، وتأجير معدات الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى النمو القوي في تمويل الأصول التكنولوجية مثل أجهزة الحاسوب وأنظمة البرمجيات المتطورة. هذا التحول نحو قطاعات أكثر تخصصاً واستخداماً للتكنولوجيا يضع اللاعبين الأجانب في موقع متميز، لأنهم يمتلكون عادة الخبرات الفنية والعالمية اللازمة لهذه القطاعات الناشئة، بينما قد يكون اللاعبون المحليون أكثر تحفظاً في خوض هذه المجالات غير المستكشفة جيداً في المنطقة.

ومما يستحق الذكر أيضاً أن أسواق التأجير التمويلي العربية تشهد تكتلات سريعة ينتج عنها وجود شركات أكبر وأكثر قدرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً. وقد لاحظنا خلال عملنا مع شركات في المنطقة أن هناك اتجاهاً متزايداً للتحالفات بين الشركات المحلية في دول متعددة، أو بينها وبين مؤسسات تمويلية دولية، لتقديم خدمات متكاملة تمتد عبر حدود الدول. هذه التكتلات تحسن من جاذبية السوق للمستثمر الأجنبي لما توفره من وفورات الحجم وقدرة أكبر على تنويع المخاطر الجغرافية.

## دور القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية

لا شك أن العلاقة بين القطاع الخاص والحكومة تمثل عاملاً محورياً في تحديد مدى نجاح انفتاح قطاع التأجير التمويلي على الاستثمار الأجنبي. في الدول العربية، تتدخل الحكومات بشكل مباشر وغير مباشر في دعم هذا القطاع عبر تحفيزات مالية أو تفضيلية في المشتريات الحكومية. وعلى سبيل المثال، تتبنى بعض الحكومات برامج لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلال تقديم تسهيلات لتمويل معداتها وإنتاجها عبر شركات التأجير التمويلي المرخص لها، وهذا بدوره يخلق سوقاً مضمونة للاعبين بما فيهم الأجانب.

في تجربة عملية أخرى مررت بها، تعاملت مع شركة أجنبية متخصصة في تأجير السيارات التجارية الخفيفة، وكانت تفكر في الدخول إلى السوق العراقي. كان للسوق المحلي خصوصية من ناحية ضعف الاستقرار الأمني في ذلك الوقت، لكن الحكومة كانت تقدم عقود إيجار تمويلي ممولة عبر موازنات عامة للمعدات التي تستخدمها في مشروعات البنية التحتية. هذه العقود الحكومية جعلت الشركة الأجنبية تقرر الدخول رغم المخاطر المرتفعة، لأنها ضمنت لنفسها تدفقات نقدية مستقرة نسبياً من الجهات الحكومية. وهذا يوضح لنا أن المستثمر الأجنبي يولي أهمية قصوى لصفقة حكومية حتى لو كانت البيئة المحيطة غير مستقرة.

أيضاً من الأدوار الحكومية الهامة تأتي مبادرات الصندوق السيادي والشركات الحكومية المالكة لأصول إنتاجية كبيرة، حيث بدأت بعض هذه الجهات في دخول قطاع التأجير التمويلي بشكل مكثف لتمويل أساطيلها من الطائرات والسفن والمعدات الثقيلةعبر شركات تأجير مملوكة لها. هذا النشاط الحكومي الكثيف له أثر مزدوج؛ فمن ناحية يزيد من الطلب على خدمات التأجير التمويلي ويوسع السوق، ومن ناحية أخرى يخلق منافسة قوية لشركات القطاع الخاص الأجنبية، خاصة إذا كانت هذه الشركات الحكومية تتمتع بدعم مالي مباشر ومزايا تنافسية كبيرة.

أما القطاع الخاص المحلي، فهو في نظري المحرك الحقيقي لأي عملية انفتاح ناجحة. فالشركات المحلية المتعاونة مع بيوت خبرة عالمية هي التي تستطيع أن تنقل المعرفة التقنية وتأسيس الممارسات السليمة في إدارة المخاطر وتنويع المنتجات. عندما ننظر إلى التجربة التركية والماليزية مثلاً، نجد أن القطاع الخاص المحلي كان شريكاً أساسياً في عملية تحديث صناعة التأجير التمويلي وجذب المستثمرين الأجانب، وهو في الأخير الذي يساهم في خلق بيئة أعمال تتصف بالشفافية وسلامة المعايير المهنية التي يحتاجها أي مستثمر دولي.

لا ينبغي لنا هنا أن ننسى أهمية التحفيز الحكومي للاستثمار في المناطق النامية داخل كل دولة عربية، حيث أن بعض الحكومات تقدم حوافز خاصة للاستثمار في أقاليم معينة تعاني من نقص التنمية. وقد تعاملت مع شركة صينية متخصصة في التأجير التمويلي للمعدات الزراعية التي استفادت من إعفاءات ضريبية وجمركية سخية قدّمتها الحكومة المحلية لأي نشاط استثماري في منطقة صحراوية نائية، فكانت هذه الحوافز كفيلة بجعل المشروع اقتصادياً رغم التحديات اللوجستية وصعوبة الوصول إلى الأسواق الاستهلاكية.

## الشراكة بين القطاعين العام والخاص

من بين الموضوعات الأكثر حضوراً في السنوات الأخيرة في سياق جذب الاستثمار الأجنبي في التأجير التمويلي هو موضوع الشراكة بين القطاعين العام والخاص. العديد من الدول العربية بدأت ترى في هذه الشراكات وسيلة فعالة لتمويل البنية التحتية الكبرى وتحديث القطاعات الحيوية دون أن تثقل كاهل الموازنات العامة. تأتي شركات التأجير التمويلي في هذا السياق كعنصر ممول ومسهل لعمليات الحصول على الأصول باهظة الثمن، سواء كانت طائرات مدنية أو معدات طبية أو أنظمة نقل متطورة.

حصلت مؤخراً على دعوة للمشاركة في دراسة جدوى لمشروع شراكة بين القطاعين العام والخاص في أحد البلدان العربية الشقيقة لتمويل المستشفيات العامة بمعدات طبية متطورة. رأت الحكومة أن الدخول في اتفاقية إيجار تمويلي مع شركة أجنبية متخصصة سيكون أفضل من اقتناء الأجهزة مباشرة نظراً للتكلفة الباهظة والاحتياج لصيانة دورية متخصصة. المهم أن المشروع لاقى ترحيباً واسعاً من المستثمرين الأجانب على الرغم من تعقيدات الإجراءات القانونية، لأنهم أدركوا أن هذه الصفقة بالذات ستمهد لهم الطريق في السوق وتفتح لهم أبواباً أخرى.

لكن علينا أن نكون صريحين وواقعيين؛ فنماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المنطقة العربية ما زالت في بداياتها مقارنة بنضجها في الأسواق الأوروبية والأمريكية. إن غياب الأطر المؤسسية الواضحة، وتعدد الجهات الحكومية ذات الصلة، وبطء دورات اتخاذ القرار – كل ذلك يجعل هذه الشراكات أقل جاذبية مما ينبغي، ويدفع المستثمر الأجنبي إلى المطالبة بعلاوات مخاطر أعلى أو ضمانات سيادية إضافية. وفي جلسات التفاوض التي حضرتها بصفتي مستشاراً متمرساً، كثيراً ما كان الطرف الأجنبي يصر على شرط التحكيم الدولي وعدم اللجوء للمحاكم المحلية، وهو بند أساسي يشوبه الكثير من الجدل بين الفرقاء.

ومهما قيل عن الصعوبات، أعتقد أن طريق المستقبل لا بد أن يمر من هذا النوع من الشراكات، لأنها الطريقة الوحيدة الممكنة لسد الفجوة المالية الضخمة التي تحتاج إليها مشاريع البنية التحتية في المنطقة. الحكومات التي أدركت هذا الأمر مبكراً ودعمت بيئة الاستثمار برؤية واضحة وضمانات كافية، استطاعت بالفعل استقطاب أسماء عالمية كبيرة في عالم التأجير التمويلي، واستفادت من الخبرات والتقنيات الحديثة التي جاءت بها.

## التأثيرات والفرص المستقبلية

مع كل هذه المتغيرات التي يشهدها قطاع التأجير التمويلي العربي، ومع تزايد الضغوط العالمية نحو الانفتاح المالي وتحرير التجارة في الخدمات، يصبح من المهم جداً أن نرسم ملامح المستقبل المحتمل لهذه الصناعة في المنطقة. أتوقع في تقديري الشخصي، وبناءً على قراءتي الممعنة لتطورات السوق واللوائح الناظمة له، أننا سنشهد خلال العقد القادم طفرة حقيقية في دخول المستثمرين الأجانب إلى أسواق التأجير التمويلي العربية، خاصة في دول مثل السعودية والإمارات ومصر والمغرب التي ما فتئت تتبنى سياسات اقتصادية أكثر انفتاحاً ومرونة.

لكن هذه الطفرة المتوقعة لن تتحقق إلا إذا توفرت بعض الشروط الأساسية. أولاً، زيادة الشفافية في القوانين والتشريعات التنظيمية وتوحيد المعايير الرقابية بين الدول العربية بشكل يسهل على المستثمرين الأجانب التنقل بين الأسواق المختلفة دون تكاليف إضافية أو عدم يقين قانوني. ثانياً، إصلاح الأنظمة الضريبية لجعلها أكثر تنافسية وجذباً للاستثمار، خاصة لجهة المعالجة الضريبية لعقود التأجير التمويلي التي تختلف أحكامها من دولة لأخرى في الوقت الراهن بشكل يخلق حالة من الضبابية لدى الشركات متعددة الجنسيات. ثالثاً، تعزيز البنية التحتية التكنولوجية والتحول الرقمي، فالشركات الأجنبية لن تقبل بالعمل في أسواق تفتقر إلى أنظمة معلومات حديثة وميسرة للتعامل مع العقود والفواتير وإدارة المخاطر.

وفي المقابل، من المهم أن نكون منتبهين إلى تحديات ومسار المخاطر المستقبلية؛ فمن شأن الانفتاح غير المنظم على الاستثمار الأجنبي أن يخلق ضغوطاً شديدة على اللاعبين المحليين الصغار غير القادرين على المنافسة من حيث التكلفة أو جودة الخدمة أو التقنيات المستخدمة. هذا بالضبط ما حدث في عدد من الأسواق الناشئة حول العالم، حيث أدى دخول شركات عالمية كبرى إلى إقصاء الشركات المحلية أو اندماجها القسري، مما قلص التنوع في السوق وكثف التركيز الاقتصادي – وهي نتائج غير مرغوبة دائماً لأي حكومة عربية تسعى لتحقيق التوازن بين الانفتاح والعدالة الاقتصادية.

من ناحية أخرى، أتوقع توسعاً كبيراً في أشكال التمويل المبتكرة التي سترتبط بصناعة التأجير التمويلي، مثل التوريق، والتمويل الإسلامي عبر عقود الإجارة المنتهية بالتمليك، والأدوات المشتقة المرتبطة بالأصول المؤجرة. هذه الأدوات الحديثة ستفتح آفاقاً جديدة للمستثمرين الأجانب الراغبين في تنويع محافظهم، وستساعد الأسواق العربية على الاندماج بشكل أفضل في النظام المالي العالمي واجتذاب سيولة أكبر من خارج المنطقة. وسيكون من الحصافة لدى الحكومات العربية أن تبدأ الآن في بناء القدرات المؤسسية اللازمة لتنظيم هذه الابتكارات المالية قبل أن تتفاقم الحاجة إليها.

ما هو وضع انفتاح صناعة التأجير التمويلي على الاستثمار الأجنبي؟

ختاماً، أود أن أؤكد أن مستقبل انفتاح صناعة التأجير التمويلي على الاستثمار الأجنبي في العالم العربي مشرق بامتياز، ليس فقط بسبب حجم السوق الكبير والطلب المتزايد على الأصول الإنتاجية، بل أيضاً بفضل تغير العقليات وانفتاح الأجيال الجديدة من صناع القرار والمسؤولين على التجارب العالمية الناجحة. من يتابع الحراك التشريعي والاقتصادي في كل من أبوظبي والرياض والدوحة والقاهرة والرباط سيجد جميع المؤشرات التي تدعم التوسع في هذا القطاع الحيوي. نحن كخبراء في “جياشي” نراقب هذه التحولات بانتباه ونقدم نصائحنا لعملائنا الأجانب والعرب على حد سواء للاستفادة من الزخم التنظيمي قبل اكتمال تشكيل السوق واشتداد المنافسة.

## الخلاصة والتوصيات

لقد حاولت في هذه المقالة الطويلة والمفصلة أن أقدم صورة شاملة قدر الإمكان عن حالة انفتاح قطاع التأجير التمويلي في الدول العربية على الاستثمار الأجنبي، وأن أبرز التطورات والتحديات والفرص القائمة في هذا المجال. النقطة الجوهرية التي أود أن أختتم بها هي أن الانفتاح لم يعد مسألة رفاهية أو خياراً استراتيجياً مؤجل؛ بل أصبح ضرورة ملحة في عالم مالي مترابط ومتسارع، وفي منطقة عربية تحتاج بشدة إلى تنويع مصادر تمويلها ودعم بنيتها التحتية وأدواتها الإنتاجية.

أما التوصيات التي يمكنني صياغتها بناءً على خبرتي العملية المتعمقة في هذا المجال فهي تتركز أولاً على ضرورة إصلاح البيئة التشريعية بشكل جذري لا تجميلي، بحيث تصبح أكثر وضوحاً وبساطة وعدالة في معاملة جميع اللاعبين بمن فيهم الأجانب. ثانياً، تعزيز التعاون الإقليمي العربي في مجال تبادل المعلومات والتجارب الرقابية يمكن أن يسهم في رفع كفاءة السوق وخفض التكاليف لجميع الأطراف. ثالثاً، وضع برامج محددة لتأهيل الكوادر الوطنية العاملة في القطاع المالي ليكونوا قادرين على التعامل مع التعقيدات المتزايدة للعمليات المالية الدولية والامتثال لأعلى معايير النزاهة والشفافية.

ومن المهم أيضاً مقاومة الإغراء بالانغلاق والحماية المفرطة للأسواق المحلية؛ لأن التجارب الدولية تؤكد أن الأسواق المفتوحة والتنافسية هي الأسواق الأكثر كفاءة وابتكاراً في نهاية المطاف، وأن الحماية الزائدة للمؤسسات غير الكفؤة إنما تضر بالاقتصاد الوطني بأكمله في المدى البعيد. ومع ذلك، يجب أن تقترن سياسة الانفتاح بشبكات أمان اجتماعي واقتصادي واضحة للفئات الأضعف، وبرامج دعم متوسطة المدى للشركات المحلية الصغيرة حتى تتمكن من التكيف مع المنافسة الجديدة والتطور بدلاً من الانهيار.

إن المستقبل الذي أراه لهذه الصناعة في عالمنا العربي هو مستقبل مفعم بالنجاح والازدهار إذا ما توفرت الإرادة السياسية الجادة والإرادة التقنية المتطورة، وإذا ما آمن الجميع بالمكاسب الجماعية التي يجنيها هذا القطاع الذي يلعب دوراً محورياً في تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوفير سبل النمو والاستمرارية للأعمال، وخلق فرص عمل شريفة ومستدامة لشبابنا. من هذا المنطلق، أشجع كل مستثمر عربي أو أجنبي قرأ هذه السطور على الاستثمار بجدية في هذا القطاع، والانخراط في مسيرة التنمية الاقتصادية الواعدة التي تشهدها منطقتنا الحبيبة.

## رؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبة

في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، نراقب تطورات صناعة التأجير التمويلي في المنطقة العربية بعين الخبير المتمرس الذي خدم الشركات الأجنبية لأكثر من عقدين من الزمن. نرى أن هذه الصناعة - رغم كل التحديات التشريعية والإجرائية التي ناقشناها في هذه المقالة - تمثل أحد أهم المجالات الواعدة للتعاون بين رؤوس الأموال الأجنبية والاقتصادات العربية الناشئة. لقد تابعنا عن كثب الحوافز الجديدة التي تقدمها الحكومات لاجتذاب هذا النوع من الاستثمار النوعي الذي يخلق قيمة مضافة حقيقية من خلال تمويل الأصول الإنتاجية وليس مجرد المتاجرة بها.

وإدراكاً منا بهذه الأهمية، قمنا في “جياشي” مؤخراً بتأسيس وحدة استشارية متخصصة في شؤون التأجير التمويلي تقدم لعملائها خدمات متكاملة تشمل الاستشارات القانونية والضريبية وهيكلة الصفقات وتأسيس الشركات والتنسيق مع الجهات الرقابية المحلية والأجنبية. وقد لاحظنا من واقع تعاملنا اليومي مع المكاتب الأم للشركات العالمية أن الطلب على هذه الخدمات يتزايد بمعدلات مضطردة، مما يدل على ثقة متنامية في بيئة الاستثمار العربية من قبل اللاعبين الدوليين. وندرك في “جياشي” أهمية مواكبة هذه التحولات والاستجابة لها بتقديم حلول مبتكرة وفعالة تساعد عملاءنا على تحقيق أهدافهم الاستثمارية والتوس