مقدمة: عالم الإعلام والنشر على مفترق طرق
السلام عليكم، أنا الأستاذ ليو، اللي قضيت أكثر من عقد من الزمن في شركة "جياشي" للضرائب والمحاسبة، وأتعامل عن قرب مع المستثمرين الأجانب اللي حابين يدخلوا السوق العربي. واجهت أسئلة كثيرة، لكن السؤال اللي بيجيني بشكل متكرر من فئة معينة من المستثمرين، اللي خلفيتهم ثقافية وإعلامية، هو: "هل في مجال نستثمر في مؤسسات إخبارية أو دور نشر عندكم؟". السؤال ده بسيط في ظاهره، لكن جوابه معقد وبيحمل في طياته تاريخ طويل من التشريعات والحساسيات الثقافية والسياسية. الموضوع مش بس مسألة "أفتح" أو "مقفول"، ده عالم كامل من "اللي ممكن" و"اللي ممنوع"، واللي بيتفاوض عليه دايماً بين رغبة الانفتاح الاقتصادي وضرورة الحفاظ على الهوية والسيادة الثقافية. في المقالة دي، هنغوص مع بعض في تفاصيل هذا السؤال الشائك، من خلال خبرتي الميدانية في تسهيل دخول واستقرار الأعمال الأجنبية في المنطقة.
الإطار القانوني
أول حاجة لازم نفهمها إنه مافيش إجابة واحدة تنطبق على كل الدول العربية. كل دولة ليها تشريعاتها الخاصة، وده من أكبر التحديات اللي بنواجهها في "جياشي" لما بنستقبل عميل أجنبي. في بعض الدول، القانون بيصرح بشكل واضح بمنع الاستثمار الأجنبي المباشر في ملكية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، أو بيحدده بنسبة ضئيلة جداً لا تتعدى الـ 49% أو حتى أقل، مع اشتراط أن يكون الشريك المحلي هو صاحب القرار التحريري. الموضوع هنا مش بس استثمار، هو "إشراف وتوجيه". مثلاً، في تجربة عملية صادفتها، مستثمر أوروبي كان حابين يدخل في شراكة لإطلاق منصة إخبارية رقمية، اكتشفنا بعد دراسة معمقة أن الرخصة تتطلب أن يكون رئيس التحرير حاملًا للجنسية المحلية، وأن تكون "السياسة التحريرية" تحت إشراف هيئة حكومية. هنا بقى دورنا كمستشارين نفتح كل الملفات قدام العميل ونوضحله إنه الاستثمار مش مجرد توفير رأس المال، إنه دخول في شراكة استراتيجية مع طرف بيكون له الكلمة العليا في المحتوى.
في المقابل، شهدت السنوات الأخيرة تحولات كبيرة في بعض الدول نحو تحرير قطاع النشر (الكتب والمجلات المتخصصة) أكثر من قطاع الأخبار. يعني ممكن تلاقي تشريعات بتسمح بملكية أجنبية كاملة لمشروع نشر كتب تعليمية أو أدبية، بينما تظل الصحف اليومية محظورة. الفرق بيكون في تصنيف "المحتوى". فيه مصطلح متخصص بنتعامل معاه كتير اسمه "الخط الأحمر التحريري"، وهو غير مكتوب في معظم الأحيان بشكل واضح في القانون، لكنه مفهوم ضمني من خلال سلسلة من القرارات والتراخيص. مهمتنا إننا نساعد العميل يفهم وين هي هذه الخطوط الحمراء قبل ما يضع أول جنيه.
الرقابة والمحتوى
ده الجانب الأكثر حساسية على الإطلاق. المستثمر الأجنبي، خاصة اللي من خلفية غربية، بيكون معتاد على هامش حرية تعبير أوسع. لكن الوضع هنا مختلف. الرقابة، سواء كانت مسبقة أو لاحقة، بتكون حاضرة وبقوة، ومش بس رقابة سياسية، لكن أيضاً دينية واجتماعية. تخيل معايا حالة عميل كان مخطط لإطلاق مجلة أزياء فاخرة. المشروع من الناحية الاستثمارية والتسويقية كان واعد جداً، لكن واجهنا عقبة كبيرة في محتوى الصور والفيديوهات المصاحبة. المعايير المحلية للعرض واللباس كانت مختلفة تماماً عما هو متعارف عليه في مقر الشركة الأم. استغرقنا شهور من المفاوضات والتوضيح مع الجهتين، الشركة الأم من ناحية والجهات الرقابية المحلية من ناحية أخرى، للوصق لـ "لغة بصرية مشتركة" تقبلها الثقافة المحلية وتناسب رؤية العلامة التجارية العالمية. النجاح هنا مش بيكون في تجاوز الرقابة، وإنما في فهمها وإنتاج محتوى مبتكر ضمن إطارها.
كمان، في قطاع الأخبار، الرقابة بتكون أكثر تعقيداً. فيه مواضيع بتعتبر "تابوهات" مطلقة لا يمكن الاقتراب منها. المستثمر الأجنبي لازم يفهم من اليوم الأول إنه مش هيكون له سيطرة كاملة على الخط التحريري إذا كان المحتوى محلياً. ده بيخلق تحدٍ إداري كبير: إزاي تدير فريق تحرير محلي بيكون فاهم ده السياق وبتتعامل معه، وفي نفس الوقت تقنع المقر الرئيسي في الخارج إن ده جزء من تكلفة دخول السوق وليس تقييداً للحرية. ده بيحتاج مهارات تواصل عالية جداً.
الشراكة المحلية
في أغلب الحالات، مفتاح دخول السوق هو إيجاد الشريك المحلي المناسب. لكن الشريك المناسب مش مجرد شخص عنده رأس المال أو العلاقات. الشريك المناسب هو اللي يفهم طبيعة الصناعة الإعلامية وحساسيتها، ويكون قادر على العمل كجسر بين الثقافتين. مرة من المرات، عملنا على صفقة لمستثمر آسيوي حابين يدخل في مجال النشر التعليمي. وجدنا له شريك محلي كان شغوف فعلاً بمشروع تطوير المناهج المساندة، ومكانش شايف المشروع مجرد فرصة استثمارية، بل فرصة لتطوير التعليم في بلده. ده خلى عملية الحصول على التراخيص والتغلب على العقبات الإدارية أسهل بكتير، لأن الطرف المحلي كان مؤمناً بالمشروع وبيدفع فيه بروحه. الشراكة الناجحة بتكون "زواج مصالح" حقيقي، مش عقد على ورق.
في المقابل، شفت حالات فشلت بسبب اختيار شريك محلي كان همه الوحيد هو الحصول على عمولة أو الاستفادة من اسم الشريك الأجنبي، بدون ما يكون له أي إضافة حقيقية أو فهم للمجال. النتيجة كانت جمود المشروع ومشاكل إدارية لا تنتهي. فاختيار الشPartner المحلي هو أهم خطوة استراتيجية في المشروع كله.
التحديات الإدارية
بعيداً عن القانون والرقابة، في تحديات عملية يومية تواجه الإدارة. أولها: إدارة الموارد البشرية. الصحفيون والمحررون المحترفون عندهم توقعات مختلفة ربما عن زملائهم في الغرب من ناحية الرواتب، بيئة العمل، والحدود المهنية. ثانيها: التعامل مع البيروقراطية الحكومية في تجديد التراخيص، وتقديم التقارير الدورية، والالتزام بالشروط المتغيرة. في "جياشي"، بنقدم ما نسميه خدمة "المراقبة التنظيمية"، حيث بنتابع أي تغييرات في القوانين أو التوجيهات الرقابية وبنحذر منها العميل على طول، عشان ما يقعش في مخالفة بدون قصد.
تحدي تاني كبير هو التمويل والإعلانات. الإعلام المحلي في كثير من الأحيان يعتمد على الإعلانات الحكومية أو إعلانات الشركات الكبيرة المرتبطة بالدولة. المستثمر الأجنبي ممكن يجد صعوبة في دخول هذه الشبكات المعقدة من العلاقات، وبالتالي الدخل الإعلاني بيكون غير مضمون. ده بيحتاج خطة مالية واقعية من البداية، تكون فيها مصادر الدivers متنوعة، وممكن تعتمد على الاشتراكات أو المحتوى المدفوع إذا كان نوعية المحتوى تسمح.
المستقبل الرقمي
المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي غيرت اللعبة كلها. كثير من التشريعات الحالية بتكون أبطأ من التطور التكنولوجي. فيه فرص كبيرة للمستثمر الأجنبي في مجال "صناعة المحتوى الرقمي" المتخصص، مثل منصات التدريب الإعلامي، أو إنتاج البودكاست والبرامج الحوارية عبر الإنترنت، أو حتى تقديم خدمات الاستشارات الإعلامية والتسويقية. هذه المجالات بتكون أقل خضوعاً للرقابة الصارمة مقارنة بالإعلام التقليدي، وبتوصل لجمهور أوسع.
لكن برضه فيه مخاطر. الحكومات بدأت تطور أدوات رقابية رقمية، وقوانين مثل قوانين "مكافحة الشائعات" أو "الجريمة الإلكترونية" ممكن تطبق بشكل أوسع على المحتوى الرقمي. فالمستثمر في هذا القطاع لازم يكون سريع البديهة وقادر على التكيف مع المنظومة التشريعية وهي بتتطور. الرؤية المستقبلية اللي بشوفها إن الاستثمار الأجنبي في الإعلام والنشر هيبقى مركز بشكل أكبر على التكنولوجيا والمنصات، أكثر من التركيز على الملكية المباشرة لوسائل الإعلام التقليدية.
الخلاصة والتوصيات
خلينا نتفق، الإجابة على سؤال "هل تفتح أعمال المؤسسات الإخبارية ودور النشر للاستثمار الأجنبي؟" هي: "نعم، ولكن بشروط معقدة ومتغيرة". الفرص موجودة، خاصة في مجالات النشر المتخصص والمحتوى الرقمي والخدمات المساندة، لكن التحديات القانونية والثقافية والإدارية كبيرة وتتطلب صبراً طويلاً وفهماً عميقاً للبيئة المحلية. الغرض من هذه المقالة هو تسليط الضوء على هذه التعقيدات، وتحذير المستثمر من الدخول بسذاجة، وتشجيعه على الدخول باستعداد كامل وباستشارة مهنية متخصصة.
من وجهة نظري الشخصية، أعتقد أن المنطقة مقبلة على تحولات تدريجية. الضغوط الاقتصادية والحاجة لتنويع مصادر الدخل قد تدفع بعض الدول لتخفيف القيود، خاصة في المجالات غير السياسية المباشرة مثل الترفيه والتعليم والنشر الأكاديمي. اتجاه البحث المستقبلي المفيد يكون في دراسة النماذج "الهجينة" الناجحة، حيث يقدم الشريك الأجنبي التكنولوجيا والخبرة الفنية، بينما يتولى الشريك المحلي إدارة المحتوى والعلاقات المجتمعية، مع وجود أطر واضحة ومتفق عليها للتعامل مع الخلافات التحريرية.
رؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبة
في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، نرى أن مسألة فتح قطاع الإعلام والنشر للاستثمار الأجنبي هي واحدة من أكثر الملفات تعقيداً التي نتعامل معها، ولكنها أيضاً من أكثرها إثارة من الناحية الاستشارية. خبرتنا التي تمتد لأكثر من 14 عاماً في مجال تسجيل ومعاملات الشركات الأجنبية علمتنا أن النجاح في هذا المجال لا يعتمد على فهم النصوص القانونية الجافة فقط، بل على فهم "روح" التشريع والسياق الثقافي والسياسي الأوسع. نحن لا نقتصر على مساعدة العميل في تأسيس الكيان القانوني فحسب، بل نعمل كمرشدين له في رحلة فهم المشهد الإعلامي المحلي، ونساعده في بناء جسور التواصل مع الجهات الرقابية والشركاء المحتملين. نؤمن بأن الاستثمار الأجنبي الواعي والمستنير في هذا القطاع الحساس يمكن أن يكون قوة دافعة للإبداع وتبادل المعرفة، شريطة أن يتم على أساس من الوضوح والاحترام المتبادل والالتزام الكامل بمعايير السوق المحلية. مهمتنا هي ضمان أن يكون هذا الأساس متيناً، حتى يزدهر المشروع وينمو، مع الحفاظ على مصالح جميع الأطراف.