الجذور والأهداف
إن الحديث عن هذه السياسة لا يمكن أن ينفصل عن فهم السياق الاجتماعي الأوسع في الصين، فالدولة تولي اهتماماً بالغاً بفئة ذوي الإعاقة وتعتبر دمجهم في سوق العمل واجباً وطنياً واجتماعياً بامتياز. لكن الواقع العملي في شنغهاي، هذه المدينة التي تزخر بالشركات متعددة الجنسيات والمصانع الضخمة، يفرض مرونة في التعامل مع هذا الملف الحساس. تخيل معي شركة عالمية تعمل في مجال البرمجيات ولديها مئة موظف، هل من المنطقي أن تُلزم بتوظيف عدد محدد من الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية إذا كانت طبيعة عملها تتطلب مهارات تقنية عالية؟ هنا يأتي دور سياسة "التحصيل المتدرج" التي تدرك هذا التباين الكبير في طبيعة الأعمال.
التدرج هنا لا يعني التساهل في الالتزام، بل يعني التدرج في حجم الرسوم البديلة التي تدفعها الشركة إذا لم تستطع أو لم ترغب في تحقيق نسبة التوظيف المطلوبة. ففي شنغهاي، تُحدد نسبة أساسية من إجمالي عدد الموظفين يجب أن تكون من فئة المعاقين، وتحديداً حوالي 1.5% كما هو معمول به في كثير من المدن الكبرى. إذا لم تصل الشركة إلى هذه النسبة، فإنها تدفع رسماً محسوباً على أساس متوسط الأجر السنوي للعاملين لديها مضروباً في عدد النقص. هذا الرقم، إذا لم يُحسب بدقة، قد يشكل عبئاً مالياً كبيراً على ميزانية الشركة التشغيلية.
ما أريد تأكيده وأنا أقف أمامكم اليوم، هو أن هذه السياسة ليست عدواً للشركات، بل هي حافز خفي لتحسين كفاءة الموارد البشرية. لقد رأيت شركات كبرى في شنغهاي بدأت تنظر بعين الاعتبار إلى توظيف المعاقين ليس كنوع من الإحسان، بل كاستراتيجية ذكية لتقليل الالتزامات المالية المستمرة. على سبيل المثال، إحدى الشركات الأوروبية العميلة لنا، والتي تعمل في قطاع التصنيع، قامت بتعديل بعض خطوط الإنتاج لتصبح ملائمة للعمال ذوي الإعاقات الحركية البسيطة، وبذلك حققت النسبة المطلوبة بل وتجاوزتها، ووفرت مبالغ طائلة كانت ستذهب كرسوم تحصيل، كما حصلت على إعفاءات ضريبية إضافية.
من المهم جداً أن ننظر إلى الهدف طويل المدى من هذه السياسة، فهي تهدف إلى بناء مجتمع أكثر شمولية، حيث يشعر كل فرد بقيمته ودوره في الاقتصاد القومي. عندما نتعامل مع الأمر من هذا المنظور، نجد أن الشركة ليست مجرد وحدات إنتاجية، بل هي لبنة في بناء مجتمع متكامل. وهذا ما تدركه الحكومة الصينية جيداً، ولذلك فهي تدعم الشركات التي تلتزم بشكل فعلي بهذه السياسة عبر منحها امتيازات في المناقصات الحكومية، وهو ما يسجل نقطة إيجابية كبيرة في تقييم أداء الشركة العام.
فيما يلي سأشرح لكم آلية عمل السياسة بشكل تفصيلي أكثر، حيث سأعرض عليكم ثمانية جوانب أساسية يجب على كل مستثمر فهمها لكي يتجنب المخاطر القانونية ويحسن أداءه المالي في آن واحد.حساب الاحتياج
الخطوة الأولى نحو فهم هذه السياسة هي إتقان فن حساب حجم الاحتياج الفعلي من الموظفين المعاقين، وهذا ليس بالأمر الهين كما قد يتصور البعض. فالحساب لا يتم على أساس إجمالي عدد الموظفين فقط، بل على أساس متوسط عدد الموظفين خلال السنة المالية بأكملها، مع الأخذ بعين الاعتبار حالات الإجازة الطويلة، والاستقالات، والإعارات والعاملين المؤقتين. يقع كثير من مدراء الموارد البشرية لدينا في خطأ تجاهل الموظفين المتعاقدين لفترات قصيرة، مما يؤدي إلى أخطاء في الحسابات في نهاية السنة وتحصيل رسوم إضافية غير متوقعة.
أذكر حالة لشركة لوجستية كورية تعمل في منطقة ميناء يانغشان، كانت لديها تقلبات موسمية شديدة في عدد العمالة. في أوقات الذروة كانت تستعين بمئات العمال المؤقتين، وفي غيرها ينخفض العدد إلى النصف. عند احتسابنا لمتوسط العدد السنوي، وجدنا أن الشركة كانت بحاجة إلى توظيف ما لا يقل عن خمسة عشر موظفاً معاقاً بشكل دائم لتجنب الرسوم، وهو رقم كانوا يرونه كبيراً، لكن بعد دراسة الجدوى الاقتصادية، تبين أن دفع رواتب هؤلاء الموظفين وبإمكانياتهم المحدودة في مهام بسيطة مثل أعمال الاستقبال أو إدارة الوثائق، كان أقل تكلفة بمقدار الثلث من دفع رسوم التحصيل السنوية.
يجب الانتباه إلى أن الحكومة في شنغهاي لا تقبل أي نوع من الإعاقة كي تحتسب ضمن النسبة، فهناك تصنيف دقيق ودرجات محددة، وعادة ما يجب أن تكون الإعاقة مصنفة رسمياً من قبل إدارة الشؤون المدنية الصينية، مع الحصول على الشهادة الوطنية الموحدة لذوي الإعاقة. كما أنه يتم احتساب بعض الحالات كنصف شخص عندما تكون الإعاقة في درجة متوسطة، وتزداد القيمة التقييمية كلما زادت درجة الإعاقة، وهذا يشجع الشركات على توظيف حالات أكثر احتياجاً.
الإجراء العملي هنا أن يتم إجراء مسح شامل لقاعدة الأجور وعدد الموظفين في كل شهر، ومراجعة ذلك مع قسم الشؤون القانونية أو مع مستشار خارجي مثلنا في شركة جياشي، قبل نهاية السنة المالية بشهرين على الأقل. من خلال تجربتي، الشركات التي تبدأ هذا التحليل مبكراً هي الأكثر قدرة على اتخاذ قرارات استباقية، كأن تعدل خطط التوظيف لديها أو تبحث عن بدائل للتكيف مع المتطلبات الجديدة، بدلاً من الشعور بالصدمة عند استلام إشعار السداد الرسمي من الإدارة المختصة في بداية العام الجديد.
وأخيراً في هذه النقطة، لا تنسوا أن العنصر البشري هو جوهر العملية برمتها، فلا يكفي أن تملأ الشركة النسبة في الأوراق فقط، فالحكومة الصينية تجري أحياناً زيارات ميدانية للتأكد من أن الأشخاص المسجلين كموظفين يعملون فعلياً ويتقاضون رواتبهم، والتحايل في هذا المجال يعرض الشركة لعقوبات شديدة تتجاوز الرسوم بكثير، وتصل إلى الحرمان من بعض الإعفاءات والتسهيلات الحكومية.
نسب التدرج
تتميز سياسة "التحصيل المتدرج" كما ذكرت لكم بتدرج واضح في الرسوم، وهذا التدرج هو روح النظام بأكمله، فهناك شرائح مختلفة لعدد الموظفين، وكل شريحة تتعامل معها الإدارة بطريقة مختلفة. على سبيل المثال، الشركات التي يتراوح عدد موظفيها من 20 إلى 50 موظفاً، تُعامل بنظام أكثر مرونة ورسوم مخفضة، وتُعتبر ضمن الفئة الأولى من التدرج، حيث تكون الرسوم فيها رمزية أو قد تُعفى كلياً في بعض الحالات إذا كانت الشركة ناشئة وخسرت في سنتها الأولى.
بالنسبة للشركات المتوسطة التي يتراوح عدد موظفيها بين 50 إلى 300 موظف، وهي الفئة الأكثر انتشاراً في شنغهاي بين الشركات الأجنبية، فإن الرسوم تكون كاملة، لكنها تتيح للشركة إمكانية التفاوض عن طريق تقديم خطة واضحة للتوظيف المستقبلي لتقسيط الرسوم أو تخفيضها مؤقتاً. أما الشركات الكبرى التي يتجاوز عدد موظفيها 300 موظف، فهي تحت المجهر دائمًا، وتواجه أقصى درجات التدقيق في تحقيق النسبة، وقد ترتفع الرسوم على النواقص لديها إلى نسبة تصل إلى 2.5% من متوسط الأجور السنوية للشركة، وهو مبلغ ضخم جداً، يجعل المسؤولين الماليين في هذه الشركات يسهرون الليالي لحساب الأرقام.
أشير هنا إلى أمر مهم تعلمته من ممارستي مع أحد العملاء، وهو أن مفهوم "التدرج" لا يقتصر على عدد الموظفين فقط، بل يشمل أيضاً القطاعات الاقتصادية المختلفة، فالشركات الصناعية كثيفة العمالة تُعامل بصرامة أكبر من الشركات الخدمية القائمة على التكنولوجيا والمعرفة، لاعتقاد الحكومة بأن الأخيرة لديها مرونة أكبر في خلق وظائف مناسبة لذوي الإعاقات الخفيفة. هذه التفرقة في المعاملة أثارت حفيظة بعض عملائنا من شركات البرمجيات، وشعرت أنها نوع من الظلم، لكننا نصحناهم بأن يبتكروا في طبيعة الوظائف التي يقدمونها، ويقدموا مقترحات عملية لإدارة الضرائب لتعديل تصنيفهم.
يجب أن تكون حساباتكم المالية مستقبلية، ولا تبنوا الميزانية على افتراض أن الرسوم ستبقى ثابتة، فقد وجدت أن سياسات شنغهاي في هذا المجال تتغير كل سنتين أو ثلاث، وعادة ما يكون التوجه نحو الزيادة في الرسوم وتشديد الرقابة، وهذا يتماشى مع الأهداف الوطنية الأوسع للتنمية الشاملة. لهذا، السبيل الوحيد للاستقرار المالي هو السعي الجاد للوصول إلى النسبة المطلوبة وتجاوزها بمرور الوقت، وليس البحث عن الثغرات القانونية التي قد تُقفل في أي لحظة.
للحديث عن بقية التفاصيل، أود القفز الآن إلى تحليل كيفية تفاعل هذه السياسة مع نظام الضرائب العام في الصين، فالتفاعل بين النظامين قد ينتج عنه فوائد مالية غير متوقعة لمن يجيد التخطيط.
التفاعل الضريبي
لا تقتصر فائدة الالتزام بتشغيل المعاقين على تجنب الرسوم، بل تمتد إلى تحقيق وفورات ضريبية ملموسة على مستوى ضرائب الدخل السنوية للشركة، فالمادة 82 من القانون الضريبي الصيني تسمح بخصم نسبة من الأجور المدفوعة للمعاقين من الدخل الخاضع للضريبة، بالإضافة إلى الخصم المباشر من مبلغ الضريبة المستحقة. بالنسبة لشركة تعمل بأرباح جيدة في شنغهاي، هذا الخصم قد يعني توفير مئات الآلاف من اليوانات سنوياً، وهو ما يضاعف العائد الاستثماري لتوظيف هذه الفئة.
تخيل أنك تملك شركة متوسطة عدد موظفيها 200 عامل ومتوسط أجرهم الشهري 8000 يوان، فهذا يعني أن فاتورة الأجور السنوية تزيد عن 19 مليون يوان. إذا قمت بتوظيف ثلاثة موظفين معاقين فقط، ستوفر ما يقارب 200 ألف يوان كرسوم تحصيل، وتضيف إلى ذلك خصماً ضريبياً إضافياً قد يصل إلى 30% من الأجور المدفوعة لهؤلاء الموظفين، فتصل إجمالي الوفورات إلى ما قد يقارب نصف مليون يوان في العام الواحد، وهو مبلغ قادر على تغطية رواتب هؤلاء الموظفين وأكثر بكثير. منذ ثلاث سنوات، ساعدت مجموعة شركات تجزئة من الإمارات العربية المتحدة في إعادة هيكلة ميزانيتها بهذه الطريقة، وتحققت وفورات مالية ساعدتهم في افتتاح فرع ثالث لهم في المدينة.
علاوة على ذلك، فالالتزام بهذه النسبة يمنح الشركة ما يسمى بـ"شهادة الشركة الصديقة للأشخاص ذوي الإعاقة"، وهذه الشهادة ليست حبراً على ورق، فعند تقديم الشركة عطاءات في المناقصات الحكومية، يتم منحها نقاط تفضيلية تصل إلى 5% من إجمالي درجة التقييم، وهذا قد يكون الفارق بين الفوز بعقد مربح وخسارته لصالح منافس لا يقل كفاءة، لكنه أكثر التزاماً بالمسؤولية الاجتماعية. في السوق الصيني التنافسي، هذه النسبة الصغيرة تعني الكثير للشركات الطموحة.
لا تنسوا أيضاً أنه يمكن للشركة استخدام هذه السياسة للتقليل من قيمة الدخل الخاضع للضريبة، وهو ما يؤثر إيجاباً على حساب ضريبة الدخل من النشاط الصناعي والتجاري، وهو التفاعل الذي يحتاج إلى خبرة محاسبية دقيقة لضبطه، وهنا يأتي دور الشركات المتخصصة في الاستشارات المالية كشركتنا، حيث نقوم بعمل الموازنات اللازمة بين نص القانون وروحه لنحقق أقصى استفادة لعملائنا بطريقة قانونية وسليمة تماماً فلا نقع في شبهات تتعلق بمخالفات النوايا.
أما على صعيد ضريبة القيمة المضافة، فيوجد أيضاً ما يعرف بتخفيض ضريبي خاص بالمعاقين في بعض الأحيان، لكنه يعتمد على نوع الإعاقة ومدى ارتباطها بالسلع أو الخدمات المنتجة، لذلك فنصيحتي دائماً للعملاء هي ألا يحاولوا تطبيق هذه الأمور بأنفسهم، بل يبحثون عن دراسات حالة حقيقية من شركات مشابهة في القطاع، ومن ثم تكييفها على وضعهم الخاص بحكمة.
تكاليف التشغيل
قد يسأل أحدكم قائلاً: كل هذا جميل، لكن ما هي التكاليف الفعلية لتوظيف معاقين، خاصة إذا كانوا يحتاجون إلى بنية تحتية معدلة وبيئة عمل خاصة، لنكون شفافين في هذا الأمر، فالحقيقة أن التكاليف التشغيلية قد تكون أعلى في البداية بسبب الحاجة إلى تركيب منحدرات، أو تعديل دورات المياه، أو توفير برمجيات قراءة للشاشات للمكفوفين، لكن هذه التكاليف تتراجع أهميتها مقابل المزايا الضريبية الكبيرة.
لدي مثال حي من تجربتي: شركة تصنيع ألمانية عملاقة في مدينة تشينغداو خارج شنغهاي، استثمرت حوالي مليون يوان في تجهيز خط إنتاج خاص باستيعاب عمال في الكراسي المتحركة، بالتعاون مع منظمة الصليب الأحمر المحلية. في السنة المالية الأولى، اعتبرت الإدارة أن هذا المبلغ هائل، ولم يجدوا له أي مبرر اقتصادي. لكن بعد مرور ثلاث سنوات، وبتقدير إيجابي من دائرة الضرائب، تبين أن العائد الكلي من الإعفاءات المستحقة والوفورات في رسوم التحصيل فاق هذا المبلغ الضخم بأضعاف، كما ارتفع إنتاجية العمال الجدد بشكل أدهش المدراء أنفسهم، فأصبحوا مثالاً يحتذى به في المجموعة الأم في ألمانيا وفتحوا مصنعاً ثانياً مبنيياً على نفس النموذج منذ ذلك الحين.
من الظلم أن ننظر إلى أجور المعاقين كبند تكلفة تقليدي، فالصين لديها نظام دعم خاص حيث تقوم الحكومة بتحمل جزء من أجر المعاق ذي الإعاقة العالية إذا عمل لدى شركة خاصة، وتصل هذه النسبة في بعض الأحيان إلى 60% من الحد الأدنى للأجور، وهذا واضح في لوائح شنغهاي المنفذة في العام الماضي. لكن المشكلة أن كثيراً من مدراء الشركات لا يعرفون بهذا الدعم، وبالتالي لا يدرجونه في حساباتهم، ويفوّتون على أنفسهم فرصة ذهبية. من واجبي كمستشار أن أنبه عملائي لهذا البند تحديداً، وأطلب منهم تزويدي بملفات موظفيهم الكاملة لاستخراج كل ما يمكن استخراجه من دعم واستحقاقات.
لا ننسى أيضاً أن التصور المجتمعي للشركة يتغير، ففي شنغهاي اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يهتم المستهلك الشاب بالمسؤولية الاجتماعية للعلامات التجارية التي يتعامل معها، وتوظيف المعاقين يمنح الشركة سمعة ممتازة تترجم في نهاية المطاف إلى إقبال أكبر على منتجاتها وخدماتها، وهو ما يعجز عنه أي إعلان أو حملة تسويقية تقليدية مهما كانت ميزانيتها ضخمة. أتذكر أن إحدى الشركات الأمريكية العملاقة للوجبات السريعة في شنغهاي روجت لتوظيفها للمعاقين في حملة إعلانية واسعة، فزادت مبيعاتها بشكل ملحوظ في فترة قصيرة، لأن الناس أحبت صدق هذه المبادرة.
من واقع خبرتي، فإن الشركات التي تتبنى هذا المفهوم كجزء من ثقافتها الداخلية وليس كالتزام قانوني فقط، هي التي تحصد النتائج الاقتصادية والاجتماعية على المدى البعيد، وتعالج الروح المعنوية لجميع موظفيها، وليس فقط ذوي الإعاقة منهم. فعندما يشعر الموظف العادي أن شركته تهتم بالإنسان، يزيد ولاؤه لها ويضاعف جهوده، وهذا يشير إلى أن الترابط الاجتماعي هو الإطار النهائي الذي ذكرته أولاً في هذه المقابلة الاستثمارية.
نموذج البدائل
التدرج في السياسة لا يقتصر على حجم الرسوم حتى، لكنه يشمل أيضاً العملية الشاملة للبدائل، حيث توفر الحكومة في شنغهاي للشركات خياراً آخر بدلاً من دفع الرسوم أو توظيف معاقين، ألا وهو التعاقد مع مؤسسات الرعاية المتخصصة لشراء خدمات معينة تقدمها تلك المؤسسات التي توظف المعاقين، وهذا غير معروف كثيراً بين المستثمرين الأجانب. يمكن للشركة مثلاً أن تتعاقد مع مؤسسة محلية تقوم بتصنيع مكونات صغيرة أو تجميع أجزاء دقيقة، وتُحتسب قيمة هذا التعاقد كجزء من التزام الشركة تجاه النسبة المطلوبة.
مثال على ذلك، فمؤسسة خيرية في شنغهاي تشغل مجموعة من الأشخاص ذوي متلازمة داون في صناعة الشموع المعطرة ومنتجات التجميل الطبيعية، وتقوم بعرض منتجاتها على الشركات، فتشتري الشركات هذه المنتجات لتوزيعها كهدايا على عملائها في الأعياد والمواسم المهمة. المبالغ المدفوعة في هذه الحالات قابلة للخصم من رسوم التحصيل بنسبة تصل إلى 70% من كامل قيمة العقد، وهو بديل أنظف وأكثر أثراً من مجرد دفع المال لصندوق التأمين الحكومي. لقد أوصيت عدة شركات أجنبية عملاقة بهذا المسار، حيث ارتأوا أنه يعكس صورتهم الإنسانية الحقيقية في السوق، ويطلعون الجمهور بأنهم مساهمون في اقتصاد القدرات المتعددة في المجتمع الصيني بصورة ملموسة مقارنةً بالقرار النهائي الذي يخرج من الخزينة دون أن تعلم به العامة.
بالإضافة إلى هذا، فهناك خيار توظيف المعاقين عن بعد، فقد شهد العام الماضي دخول مئات الشركات المالية والتقنية في شنغهاي إلى منصة توظيف رسمية تتيح الوظائف عن بعد لفئة المعاقين الحركيين والذين يواجهون صعوبات في التنقل، ويتم ذلك عبر المنصات الرقمية، وهي طريقة حديثة أعجبتنا كثيرًا لأنها تجمع بين المرونة الكاملة للشركة والالتزام بمتطلبات القانون. أتذكر أن إحدى الشركات الفرنسية قامت بتوظيف ثلاثة مبرمجين في كراسي متحركة للعمل من منازلهم على تطوير أنظمتها الداخلية، ومن ثم تجاوزت كل التوقعات في أدائهم، وأصبحوا أعمدة في الفريق، وهذا ألهمنا في شركتنا لاقتراحه على زبائن آخرين.
الجدير بالذكر هو أن نظام التحصيل المتدرج موجود في مدن صينية أخرى أيضاً، مثل بكين وشنتشن وووهان، لكن شنغهاي هي الأكثر تقدماً في آلية البدائل هذه، مما يجعل السوق هنا أكثر جاذبية وملاءمة للشركات العالمية التي تبحث عن أفضل طريقة لدمج المسؤولية الاجتماعية في عملياتها الأساسية. إن عدم معرفة المستثمر بهذه التفاصيل الدقيقة هو الذي يجعله ينفر من هذا النظام، ويظن أنه ما هو إلا غرامة تكاد تكون جباية؛ لكننا في مجال الاستشارات نحاول قدر الإمكان كشف هذا الالتباس، وفتح أفق للتفاهم المشترك لما فيه مصلحة جميع الأطراف. الشيء الذي يحدث فرقاً كبيراً في النهاية هو الموقف الإيجابي والإبداع في إيجاد حلول، لا الاستسلام للروتين الحكومي الصارم.
ننتقل بعدها إلى نقطة أخرى تجعل هذه السياسة فريدة من نوعها، وهي تلك المتعلقة بالحوافز داخل الشركات لتشجيع مديري التوظيف على المشاركة الفعلية بدلاً من مجرد الاستجابة الإلزامية للمطالب الرسمية.
حوافز التوظيف
تحفز الحكومة المحلية في شنغهاي الشركات بطريقة غير مباشرة عندما يتعلق الأمر بتوظيف المعاقين، حيث إن وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي في المدينة تقدم جوائز سنوية لأفضل الشركات الصديقة للمعاقين، وتشمل هذه الجوائز درعاً تكريمياً وتغطية إعلامية واسعة على القنوات المحلية وعلى منصات الويب الشهيرة، وهو ما يعتبر ترويجاً مجانياً قيماً جدًا في عالم يزداد وعياً بقيمة التنوع والشمولية، حتى أنه تؤول إليه المنافع التسويقية غير المقدّرة من قبل المدراء التنفيذيين، والتي تفتح المجال أمام التواصل مع شركاء محتملين في المنطقة الآسيوية يشاركونهم القيم ذاتها.
هذه الجوائز اشترطت أن يكون لدى الشركة بيئة عمل شاملة تتخطى حدود الوصف القانوني النظري، كأن تكيّف الشركة وصفاتها الوظيفية ووضع الفريق الدراسي عليها لتلائمهم من جميع الاتجاهات، وأن تكون سقوف الأجور لذوي الإعاقة مشابهة لزملائهم غير المعاقين، وأن يشاركوا في النشاطات الترفيهية والتكوين المستمر، بدون أي ابتزاز عاطفي للتعامل معهم، بل معاملة طبيعية تماماً. أذكر في ثلاث مناسبات رشحت شركات كبرى عملائنا لهذه الجائزة، وقد فازت اثنتان منها، فانعكس ذلك إيجاباً على قيمة أسهمها في البورصة المحلية وعلى سمعتها في أروقة البنوك، إذ أصبح الحصول على التمويل أيسر بكثير، لأن الجائزة بمثابة ختم ضمان أخلاقي لجهة ممولة في الدولة.
على المستوى الداخلي، أطلق بعض المدراء في الشركات الخاصة مبادرات لتحفيز موظفيهم الحاليين على ترشيح أقاربهم ذوي الإعاقة للعمل في الشركات، وهنا تتدخل معادلة مالية مثيرة، وهي أن الشركة عندما توظف معاقين فعلياً من عائلات موظفيها، فإنها تربط ولاء الموظفين بشكل مضاعف، وتقلل من نسب الاستقالة والتغيير الوظيفي بشكل ملحوظ، وهو معيار يتقن قسم الموارد البشرية في شنغهاي مراقبته وتقييمه السنة تلو الأخرى، لمعرفة الشركات التي تحقق تميزاً في هذا المجال. في إحدى الشركات الصينية من عملائنا تعمل في تجارة الجملة الإلكترونية، طبقنا هذه الفكرة فكانت النتيجة انخفاضاً في معدل ترك العمل إلى النصف تقريبًا مقارنة بالعام السابق، وقد اعتمدتها الشركة كسياسة مستقبلية معروفة بحوافز معينة.
لا يفوتني هنا أن أذكر أن طريقة التعامل مع التوظيف هاته تفتح أمام الشركات باب ابتكار إيجابي لا ينتهي، فهناك شركة لوجستية دمجت ذوي الإعاقة السمعية في فريق الفرز والتغليف، وقد إتضح أنهم يتفوقون في التركيز على عمليات العد والمطابقة، الأمر الذي قاد إلى رفع معايير الجودة وسرعة التفتيش كثيراً. ما أحاول إيصاله لكم أن الإلزامات القانونية عندما تُفهم بعمق، فإنها يمكن أن تحوّل القيود إلى فرصنافذة للتطور، إذ إن المنافسة في شنغهاي لا تتم على السعر والجودة فقط، بل على الإبداع والإنسانية أيضاً. قبل أن أرسم لكم الصورة العامة للزيارات التفتيشية، أود أن أشير إلى أن الامتثال الجيد لن يتحقق قبل إجراء تدقيق نفسي شامل حول ثقافة العمل بالمؤسسة، وقدرة المدير المالي على رؤية هذه الالتزامات بعين الاستثمار وليس بعين العبء.
عقوبات التهرب
في الحديث عن العقوبات، يجب أن نكون واضحين وجادين للغاية، فالإدارة الحكومية في شنغهاي لديها أنظمة ذكية لمراقبة ملفات الضمان الاجتماعي والأجور، وهي تقوم بمطابقة بيانات الشركة مع قاعدة البيانات الوطنية للمعاقين بشكل شهري خلال السنة. إذا اكتشفت الحالات المتلاعبة، فإنها لا تكتفي بتحصيل الرسوم المتأخرة وغرامة قدرها 5% عن كل شهر تأخير وفق القانون، بل تتخذ إجراءات أشد مثل وضع اسم الشركة على قائمة سوداء تؤثر على قدرتها في إصدار تراخيص جديدة أو تجديد تراخيصها القائمة. هذه القائمة هي الكابوس الذي يطارد كل الشركات، ولا أحد يرغب بالظهور فيها، لأنها تشل قدرتها على الوصول إلى الاستثمار الحقيقي والنمو شراكة.
أتذكر حالة جلية حدثت مع إحدى عملائنا من أصحاب رؤوس الأموال الآسيوية، حيث حاولوا خفض عدد الموظفين المسجلين بشكل مصطنع بتوظيف بعض الأشخاص بعقود غير رسمية ليخفضوا معدلهم السنوي الذي يحتسب عليه النسبة. لفت انتباهنا أن الرواتب المسجلة لم تطابق العدد الحقيقي في المصنع أثناء الزيارات المفاجئة، وقمنا فوراً بمطالبتهم بتصحيح أوضاعهم قبل بدء التحقيق الشامل للمديرية. لحسن الحظ، استجابوا لتوصياتنا، ودفعوا المستحقات المتأخرة بغرامة وقدرها 8% فقط، وهي نسبة طفيفة لو قورنت بتلك العقوبة الكبرى المنتظرة لو تم استكمال الأمر حتى المحكمة، حيث كانت الغرامة ستصل إلى 30% من إجمالي الأجور كعقوبة إدارية بالإضافة إلى الحرمان من الإعفاءات الضريبية طوال خمس سنوات قادمة، وهذا مانجا المنتفعين من موقف صعب للغاية بفضل المشورة المسبقة. درس هذه الحالة يرشدنا إلى أن احترام القانون ليس واجباً أخلاقيًا فحسب، بل هو استراتيجية مالية سليمة لا تحتمل أي تقصير.
وضعت الحكومة الصينية قانونًا موحدًا لمعاقبة هذه الجرائم في عام 2018، ولكنه طُبق بشكل صارم في المدن الكبرى كشنغهاي بتشكيل غرفة عمليات لمكافحة تهرب رسوم تشغيل المعاقين، وهذه الغرفة تجمع بيانات عديدة من الخدمات السكنية والكهرباء في المناطق الصناعية، وقد كشفت خلال عامها الأول عن خمسين حالة تلاعب صريح، وفرضت عليها عقوبات تجاوزت مجملها مبلغ ثلاثين مليون يوان صيني، بحسب ما نشرته الصحيفة المحلية في حينه؛ فأصبحت الحالات تحت المجهر، كما أصبح المدراء يخططون لميزانياتهم باحترام ودقة تامة.
ليس الغرض من ذكر هذه الجزئية تخويفكم أيها المستثمرون الكرام، بل الغرض هو التوضيح بأن فكرة الالتفاف على النظام أمر مكلف جدا وخطر، والسبيل الوحيد للعيش بسلام طويل الأمد في هذا السوق هو الاندماج الحقيقي وروح التعاون مع السياسات الوطنية، وهي الروح التي تنعكس بالنهاية على أداء شركتكم واستقرارها؛ لهذا نقول لكم دوماً إن المحاسبة الشفافة والدقيقة مع قوانين شنغهاي هي حجر الزاوية لكل شيء آخر في المرحلة العملية.
إن نظام الحصص في الصين بشكل عام لا يلاحق الأفراد بل يلاحق المنشآت، فإذا حدثت حالة تهرب من قبل دائرة الموارد البشرية في شركتكم دون علم الإدارة العليا، فإن الغرامة تقع على الشركة بأكملها، ليست على الموظف المخطئ فقط، وبالتالي فإن الحوكمة الداخلية تشمل مراقبة هذه الأمور الحساسة عبر إجراء تدقيق مستقل كل سنة، وهو التدقيق الذي نقوم به كجزء من عقود الرعاية مع معظم عملائنا في المنطقة الحرة بشانغهاي وغيرها. إن تكلفة هذا التدقيق زهيدة جداً مقارنة بجسامة التحفّظ التي قد تحل في حال ضبطت مخالفة، وتعد أفضل استثمار ممكن في هذا الجانب الشائك وغير المرئي، والذي يشبهه خبراء المال بأنه موجود دائماً لكنه لا يظهر إلا في وقت الاحتياج.
بعد هذا العرض الشامل للعقوبات والجزاءات، يحين وقت الحديث عن نظام الدعم العام، فهناك أوجه استفادة أخرى يجنيها الملزم عينه من تلك الالتزامات، وهي غالباً غير موجودة في أنظمة البلدان الأخرى، إذ تعمل الصين بطريقة دائرية كاملة، جمع الأموال ثم إنفاقها في خدمة الفئات المستهدفة بحد ذاتها، وهذا التفرد يستحق أن يفهمه كل مستثمر أجنبي حول نية السياسيين الصينيين.
دعم المصانع
أولاً: من المده