مرحباً بكم، أنا الأستاذ ليو من شركة جياشي للضرائب والمحاسبة. خلال الـ 12 سنة الماضية التي قضيتها في خدمة الشركات الأجنبية هنا في الصين، واجهت عشرات بل مئات الحالات التي تعلق فيها مصير الشركة على سؤال واحد: هل تعتبر نشاطاتنا في الصين تشكّل "منشأة دائمة" أم لا؟ هذا السؤال البسيط في ظاهره قد يحمل في طياته عواقب ضريبية هائلة، وقد رأيت شركات دفعَت مبالغ طائلة كضرائب متأخرة وغرامات لأنها لم تفهم المعيار بشكل صحيح من البداية. اليوم، أريد أن أشارككم خبرتي التي امتدت 14 عاماً في مجال التسجيل والمعاملات، لأشرح لكم بالتفصيل ما هو معيار اعتماد المنشأة الدائمة في الصين، ليس من منظور نظري بحت، بل من واقع الميدان والتجارب الحية التي عايشتها أنا وفريقي في جياشي.
المعنى الأساسي
قبل الخوض في التفاصيل، دعونا نتفق على شيء: المنشأة الدائمة ليست مجرد مكتب مؤجر أو فرع مسجل رسمياً. كثير من العملاء يفهمونها بهذه البساطة، وهذا قد يكون خطأً فادحاً. في الواقع، المنشأة الدائمة، حسب النظام الضريبي الصيني ومعاهدات تجنب الازدواج الضريبي، تشير إلى "مكان عمل ثابت" تقوم من خلاله الشركة الأجنبية بأنشطة أعمال كاملة أو جزئية في الصين. النقطة المهمة هنا هي "مكان العمل الثابت"، وهذا قد يشمل حتى موقع مشروع بناء مؤقت لمدة ستة أشهر! أتذكر حالة لعميل من سنغافورة جاء إلينا قبل سنوات، كان يعتقد أن مجرد إرسال موظفين للتفاوض على عقود في شنغهاي لبضعة أسابيع لا يشكل منشأة دائمة. لكن عند التدقيق، وجدنا أن هؤلاء الموظفين كانوا يجرون اتصالات يومية من فندق ثابت، ويوقعون على وثائق مهمة نيابة عن الشركة الأم. بعد التحليل، نصحناه بالإعلان الطوعي وتصحيح وضعه الضريبي، وتجنبنا بذلك غرامات كبيرة محتملة من السلطات الضريبية. الفكرة هنا أن الثبات والنمطية هما مفتاح التقييم، وليس بالضرورة التسجيل الرسمي.
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تهتم الصين بهذا المفهوم بهذا الشكل؟ الجواب ببساطة يتعلق بحق الدولة في فرض الضرائب على الدخل الناتج داخل حدودها. إذا كانت شركة أجنبية تحقق أرباحاً من السوق الصينية من خلال وجود فعّال ومنظم، فمن العدل أن تشارك في تحمل الأعباء الضريبية للبلد. لكن الصعوبة تكمن في تحديد متى يصبح هذا "الوجود" خاضعاً للضريبة. هنا تتدخل معاهدات تجنب الازدواج الضريبي التي وقعتها الصين مع أكثر من 100 دولة، والتي توفر إطاراً موحداً لكنه يخضع دائماً للتفسير المحلي. في تجربتي، السلطات الضريبية المحلية في مدن مثل شنغهاي وبكين أصبحت أكثر احترافية ودقة في تطبيق هذه المعايير، خاصة مع تطور نظام "الإنذار الذهبي" الثالث الذي يربط البيانات بين الجهات المختلفة. العميل الذي يتعامل مع الأمر بتراخٍ قد يجد نفسه فجأة أمام طلب دفع ضريبة بأثر رجعي لعدة سنوات، مع فوائد وغرامات.
مكان العمل الثابت
لنبدأ بأهم عنصر في المعادلة: مكان العمل الثابت. هذا هو حجر الزاوية في تعريف المنشأة الدائمة. لكن ما الذي يعنيه "ثابت" بالضبط؟ القانون لا يعطي تعريفاً رياضياً دقيقاً، بل يترك مساحة للتفسير بناءً على الوقائع. بشكل عام، يشير إلى موقع مرتبط بشركة أجنبية، مادي وثابت جغرافياً، ويستخدم لإدارة الأعمال بشكل كلي أو جزئي. الأمثلة التقليدية تشمل المكاتب، المصانع، الورش، أماكن البيع. لكن في العصر الرقمي، أصبح التحديد أكثر تعقيداً. هل خادم (سيرفر) موجود في الصين يمكن اعتباره "مكان عمل ثابت"؟ التوجيهات الضريبية الحديثة بدأت تتطرق لهذه النقطة.
من واقع عملي، أكثر الحالات إثارة للجدل هي تلك المتعلقة بـ الموظفين الموفدين الذين يعملون من مساكن مؤجرة لفترات طويلة. لدي حالة لا أنساها لشركة ألمانية في مجال الهندسة. أرسلت الشركة مهندساً رئيسياً للإشراف على مشروع في مدينة شينزين لمدة 10 أشهر. قامت الشركة بتأجير شقة له كسكن، وكان يستقبل فيها زملاء صينيين، يراجع الرسومات، ويعقد اجتماعات عبر الفيديو مع المقر الرئيسي. السلطات الضريبية المحلية، أثناء مراجعة روتينية لعقود المشروع، لاحظت تكرار عنوان الشقة في الفواتير والمراسلات. طلبت تفسيراً، وخلصت في النهاية إلى أن الشقة استخدمت بشكل منهجي ومنتظم لأغراض العمل، وبالتالي تشكل مكان عمل ثابت. النتيجة؟ اعتبار جزء من أرباح المشروع خاضعاً للضريبة في الصين. الدرس المستفاد: الفصل بين مكان السكن ومكان العمل ليس مجرد توصية إدارية، بل قد يكون ضرورة ضريبية.
كيف نتعامل مع هذا التحدي في جياشي؟ ننصح عملاءنا دائماً بإجراء "تقييم وقائي" قبل بدء أي نشاط ميداني في الصين. نسأل: أين سيعمل الموظفون؟ هل هناك عنوان ثابت يظهر في المراسلات الرسمية؟ هل يتم استخدام المساحة بشكل منتظم ومتكرر لأغراض الأعمال الأساسية؟ إذا كانت الإجابات تشير إلى وجود ثابت، فنحن ندرس مع العميل خيارات مثل استخدام مساحات عمل مشتركة (كوب-وركينغ سبيس) بتعاقدات قصيرة، أو تنظيم العمل بحيث تكون الأنشطة الحاسمة (مثل توقيع العقود) تتم خارج الصين. الأمر يتطلب حساً عملياً وفهماً دقيقاً لطبيعة العمل. أحياناً، الاعتراف بوجود منشأة دائمة وبدء التسجيل الضريبي المنظم قد يكون أقل كلفة من محاولة التهرب والمواجهة لاحقاً.
مدة الوجود
البعد الزمني هو عامل حاسم آخر. بشكل عام، وجود مكان عمل ثابت لمدة تزيد عن ستة أشهر في سنة ضريبية واحدة قد يؤدي إلى تشكيل منشأة دائمة. لكن انتبهوا، هذه الستة أشهر لا تحتاج أن تكون متتالية. إذا كان لديكم موقع مشروع يتوقف ويعود، يتم تجميع فترات العمل. الأكثر إثارة هو مشاريع البناء والتركيب والتشييد: هنا العتبة هي 6 أشهر أيضاً، لكن مع ملاحظة مهمة: إذا تجاوز المشروع 6 أشهر، فإن الضريبة تُفرض على كامل ربح المشروع، وليس فقط على الفترة التي تجاوزت الـ 6 أشهر! هذه نقطة يغفل عنها الكثيرون.
أتذكر مشروعاً لشركة كورية متخصصة في تركيب خطوط إنتاج. كان العقد ينص على فترة إجمالية قدرها 5 أشهر و20 يوماً. كان المدير الكوري سعيداً لأنه "بقليل من الحظ" تجاوز العتبة. لكن خلال التنفيذ، حدثت تأخيرات بسبب مشاكل في الجمارك، وامتد المشروع فعلياً إلى 6 أشهر و10 أيام. السلطات الضريبية، عند المراجعة، ركزت على الفترة الفعلية للوجود المادي للفريق والفنيين في موقع المشروع، وليس فقط المدة المتفق عليها في العقد. النتيجة كانت اعتبار المشروع منشأة دائمة، مع كل العواقب الضريبية. ما كان بالإمكان تجنبه؟ ربما بتقسيم المشروع إلى مرحلتين منفصلتين بعقود مستقلة، مع فاصل زمني واضح بينهما، أو بإدارة أكثر دقة للجدول الزمني لتجنب التجاوز حتى ولو بيوم واحد.
في سياق الخدمات، بما في ذلك الخدمات الاستشارية والتقنية، أصبح التحدي أكبر مع العمل عن بعد. موظف يأتي إلى الصين لمدة 4 أشهر، يعود إلى بلده شهراً، ثم يعود لمدة 3 أشهر أخرى. هل يتم تجميع الفترات؟ الجواب: نعم، إذا كان يعمل على نفس المشروع أو لنفس العميل المرتبط بالصين. النصيحة العملية التي نقدمها: الحفاظ على سجلات دقيقة لتواريخ الدخول والخروج، وأسباب كل زيارة، والأنشطة المحددة التي تمت خلالها. هذه السجلات ليست للإدارة الداخلية فقط، بل قد تكون دليلاً حاسماً أمام السلطات الضريبية إذا ما تم الطعن في تحديد مدة الوجود. أحياناً، مجرد جواز سفر مليء بختم الدخول والخروج ليس كافياً، بل يجب أن يقترن بتقارير نشاط مفصلة.
طبيعة الأنشطة
ليس كل نشاط في الصين يؤدي إلى منشأة دائمة. هناك أنشطة "تحضيرية أو مساعدة" صريحة لا تعتبر منشأة دائمة، حتى لو تمت من خلال مكان ثابت. مثلاً: مجرد جمع المعلومات، الإعلان، توفير البيانات، البحث العلمي الخالص. المفتاح هو التمييز بين الأنشطة "التحضيرية" والأنشطة "التشغيلية الأساسية". الفرق دقيق وقد يكون محل نزاع. شركة أجنبية تفتح مكتباً في شنغهاي مهمته فقط مراقبة السوق وكتابة التقارير للمقر الرئيسي – هذا قد يقع في المنطقة الآمنة. لكن إذا بدأ هذا المكتب في التفاوض على شروط العقد، أو تحديد الأسعار، أو تقديم الضمانات للعملاء، فقد ينزلق إلى منطقة الخطر.
حالة عملية من أرشيف جياشي: عميل إيطالي في مجال الأزياء الفاخرة. افتتح "مركز عرض" في بكين. كان الادعاء أن المركز فقط لعرض المنتجات على كبار العملاء المحتملين، وأن جميع مفاوضات البيع والتوقيع تتم في إيطاليا. لكن أثناء زيارة ضريبة روتينية، لاحظ المفتشون أن مديرة المركز كانت ترسل رسائل بريد إلكتروني (موثقة في النسخ الاحتياطية للخادم) تتضمن "نحن نضمن لك السعر المتفق عليه" و "يمكننا تعديل المواصفات حسب طلبكم". هذه العبارات نقلت النشاط من مجرد "عرض" إلى "تفاوض وتنفيذ" أساسي للعملية التجارية. اللغة المستخدمة في التواصل الداخلي والخارجي قد تكون الدليل القاطع على طبيعة النشاط. النصيحة: تدريب الموظفين على المصطلحات الدقيقة، وتجنب استخدام أفعال مثل "نوافق"، "نلتزم"، "نضمن" في سياق الصين إذا لم تكن هناك صلاحية فعلية.
التحدي الأكبر اليوم يأتي من النماذج التجارية الرقمية. شركة برمجيات أجنبية تقدم خدمات سحابية (Cloud) للعملاء الصينيين. ليس لديها مكتب، لكن لديها "وكيل خدمة" محلي يقوم بالدعم الفني وحل المشاكل. هل هذا الوكيل، إذا كان يعمل بشكل حصري أو شبه حصري لهذه الشركة، ويمارس سلطة في عقد الصفقات، يمكن أن يشكل "منشأة دائمة" للشركة الأجنبية؟ التطورات التشريعية العالمية (مثل مقترحات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بشأن الاقتصاد الرقمي) تشير إلى أن المفهوم يتوسع. في الصين، السلطات تبحث بنشاط عن طرق لتخصيص الحقوق الضريبية على الدخل الرقمي، وقد يصبح الاعتماد على وكلاء مستقلين بحكم الواقع غير كافٍ للتهرب من صفة المنشأة الدائمة في المستقبل القريب.
الوكيل المعتمد
هذا جانب معقد ومهم جداً. حتى لو لم يكن للشركة الأجنبية مكان ثابت في الصين، إذا كان لديها وكيل "معتمد" يعمل نيابة عنها بشكل منتظم، ويختتم العقود باسمها، فقد يتم اعتبار هذا الوكيل نفسه منشأة دائمة للشركة الأجنبية. الكلمة الرئيسية هنا هي "معتمد". الوكيل المستقل الذي يعمل مع عشرات الشركات، ويبيع بسلعته الخاصة، عادة لا يشكل مشكلة. لكن الوكيل الذي يعمل بشكل حصري أو شبه حصري لشركة واحدة، ولا يتحمل المخاطر التجارية (مثل مخاطر المخزون والائتمان)، ويلتزم بتعليمات تفصيلية من الشركة الأجنبية – هذا هو من يثير علامات الاستفهام.
تجربة شخصية مع عميل من صناعة الأدوية. كانت الشركة السويسرية تستخدم موزعاً محلياً في الصين. العقد كان يسميه "موزعاً مستقلاً". لكن عند التدقيق، وجدنا أن: 1) الموزع كان ممنوعاً من بيع منتجات منافسة، 2) الأسعار كانت محددة سلفاً من قبل الشركة السويسرية بدون هامش تفاوض كبير، 3) الشركة السويسرية كانت تتحمل مخاطر المنتجات المنتهية الصلاحية وتعيدها. جمع هذه العوامل جعل السلطات الضريبية تعتبر الموزع وكيلاً معتمداً بحكم الواقع (De facto agent)، ونتيجة لذلك، اعتبرت جزءاً من أرباح الشركة السويسرية ناتجاً عن منشأة دائمة في الصين. الحل الذي عملنا عليه لاحقاً مع عميل آخر كان إعادة هيكلة علاقة الوكالة لزيادة استقلالية الطرف الصيني وتحمل المخاطر، مع توثيق ذلك في عقود واضحة وسجلات مالية منفصلة.
السؤال الذي يطرحه العملاء غالباً: "كيف نثبت أن الوكيل مستقل؟". الجواب يعتمد على الوقائع، وليس فقط على نصوص العقد. ننصح بعناصر مثل: أن يكون للوكيل حرية تحديد أسعار البيع النهائية (ضمن حدود معقولة)، أن يتحمل مخاطر الائتمان والمخزون، أن يملك قاعدة عملاء متنوعة، أن يتحمل تكاليف التسويق المحلي، وأن تكون علاقته التعاقدية محددة المدة وقابلة للتجديد بناءً على الأداء. الوثائق الداخلية مثل رسائل البريد الإلكتروني وتقارير الاجتماعات قد تكشف عن طبيعة العلاقة الحقيقية أكثر من العقد الرسمي. لذلك، التوافق بين الممارسة العملية والنصوص التعاقدية أمر بالغ الأهمية.
التجميع والتفكيك
هنا ندخل إلى منطقة تحتاج إلى حرفية عالية. السلطات الضريبية لديها الحق في "تجميع" أنشطة متصلة أو مكملة تقوم بها كيانات مرتبطة، لترى إذا كانت مجتمعة تشكل منشأة دائمة. مثلاً: شركة أجنبية لديها مكتب صغير في شنغهاي للعلاقات العامة، وشركة تابعة محلية في قوانغتشو للإنتاج. إذا كان المكتب في شنغهاي يشارك بشكل فعال في إدارة ومراقبة نشاط التابعة في قوانغتشو، وقد يكون النشاطان مجتمعين محل نظر. العكس صحيح أيضاً: تفكيك عقد كبير إلى عدة عقود صغيرة، كل منها أقل من 6 أشهر، لتجنب عتبة المنشأة الدائمة، هو استراتيجية محفوفة بالمخاطر وقد تعتبر تجنباً ضريبياً إذا اكتشفت السلطات أن هناك وحدة اقتصادية واحدة.
في إحدى الحالات الصعبة التي تعاملنا معها، كانت شركة يابانية لديها مشروع استشاري مقسم